19 من جمادى الآخر 1437 هـ
074
أنا..
أنا.. احترس من الأنا
الأنا.. معنى غير مألوف وغير متداول بيننا،
ولكنَّ الكثير من البشر يعيش فيه ..
الأنا.. ذو شخصية نرجسية مستغرق في حب ذاته والإعجاب بها ..
الأنا.. شخص تحركه الأنانية بلا رادع ديني أو
أخلاقي أو قانوني ..
الأنا.. يعيش مع الهوى ويرغب حُبَّ التملك
والاستحواذ والسيطرة ..
ولكن الأنا من منظور ديني، كيف يكون !؟
المستوى الأول: الْكِبرُ عَلَى اللهِ.. وردت
كلمة "أنا" في القرآن الكريم على لسان إبليس وفرعون،
فقد أخبر الله تعالى عن قول إبليس لعنه الله حينما لم يستجب لأمر الله بالسجود
لآدم [قَالَ
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)]ص
076،
وبيَّن الله لنا قول فرعون وهو يدعو قومه ليأمرهم برفض دعوة موسى عليه السلام وعدم الاستجابة لها [فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)]النازعات 023، 024، وهناك أيضــًا الأنا التي تخرج من باطن قارون وهو في زهو وفرح
بنفسه وكأنه تملَّك الدنيا بإمكانياته التي ليس لها مثيل [قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي]القصص
078،
وهذه أشد أصناف الأنا التي أخذت أصحابها لعنهم الله إلى الكبر والتعالي على أوامر الله والتسليم
له، بل انقادوا تبعــًا لهواهم حتى هلكوا وأهلكوا من تبعهم إلى يوم الدين، قال
الله تعالى: [أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـاـهَهُ
هَوَـاـهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ
وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَـاـوَةً
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)]الجاثية 023، فهذا سَلَكَ طريق الضلال وجعل الإله
المعبود لديه في رغباته وطاقاته وأفكاره وإمكانياته وجاهه وسلطانه، وكل ذلك تمثل
في "هواه"، والله تعالى يخبرنا أن لا تليق بهؤلاء
الهداية ولا تزكو نفوسهم نحوها، وما
ظلمهم الله ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم وتسببوا لمنع رحمة الله عليهم.
المستوى الثاني: الْكِبرُ عَلَى خَلْقِ اللهِ.. هناك صنف آخر من الأنا يأخذ أصحابه إلى كبيرة من الكبائر، وتبعدهم عن دخول الجنة حتى يتم
تصفيته وتنقيته مادام مات مصرًا عليها، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))، قَالَ رَجُلٌ: (إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا،
وَنَعْلُهُ حَسَنَةً) قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ
بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم الحديث (91) [147]،، (بَطَرُ الْحَقِّ): أنكره ولم يقبله ... (وَغَمْطُ النَّاسِ): تعني الاستصغار والاحتقار لهم.
فالتكبر والتجبر
صفة ذميمة يلبسها أصحاب النفوس المريضة والقلوب الميتة وتظهر معهم عندما تتوافر لهم
السبل والوسائل المتاحة في التسلط والغطرسة على خلْق الله، ولم يدركوا أو يتفهموا
أنَّ العظمة لله والكبرياء له سبحانه وتعالى [وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَـاـوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)]الجاثية 037
المستوى الثالث: حُــبُّ الذَّاتْ.. وهو صنف ثالث تظهر فيه الأنا الخفية، تتواجد
داخل النفس البشرية دون أن يشعر بذلك أو يغفل عن إدراكه، يفرح فيه المرء بنفسه ولا
ينشغل إلا بنفسه ولا يرى إلا نفسه، وتراه يُكثِرُ في حديثة كلمة "أنا"،
يتباهى بإمكانياته وقدراته أمام غيره وداخل نفسه.
وينسى ويغفل ويتغافل عن قول الله تعالى: [فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)]النجم 032، وقد ذكر الله تعالى نصائح قيمة فيها تقويم للنفس البشرية في الباطن والظاهر، في الخفاء والعلانية، قال الله تعالى: [وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)]الإسراء 037، وفي نصيحة لقمان لابنه وهو يعظه [وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)]لقمان 018
وينسى ويغفل ويتغافل عن قول الله تعالى: [فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)]النجم 032، وقد ذكر الله تعالى نصائح قيمة فيها تقويم للنفس البشرية في الباطن والظاهر، في الخفاء والعلانية، قال الله تعالى: [وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)]الإسراء 037، وفي نصيحة لقمان لابنه وهو يعظه [وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)]لقمان 018
إنَّ التوازن
الحقيقي داخل النفس والقلب والعقل يأتي مع العبودية الخالصة لله تعالى والفهم
الصحيح للدين، يعرف من خلاله الإنسان أنه "مهما كان ومهما وصل ومهما تملك من قدرات" إلا أنَّ الله تعالى أوجده
من عَدَم وأعطاه من عِندِهِ سبحانه كل ما فيه كإنسان من خيرات ونِعَم.
وهذا الفهم الصادق
يأخذ صاحبه إلى شخصية متناغمة تحمل العديد من الصفات المختلفة من عزة وتواضع، شموخ
ووقار، رفعة وتعاطف، قوة وضعف، وهذا الإختلاف في الصفات نلمسه في قوله تعالى: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]الفتح 029 وفي الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ
إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ)) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، رقم
الحديث (69) [2588]، فهذه
هي الصفات الحميدة التي تأخذ صاحبها بعيدًا عن الأنا ويرفع
الله بها شأنه بين الناس دون أن يسعى لذلك أو ينتظر؛؛ وهي صفات الرحمة.. العطاء.. التواضع.. العفو؛؛ والله أعلم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق