30 من رجب 1437 هـ
075
الدِّينُ
وَالحَيَاة
معنى الحياة
يا لها من قيمة عظيمة ومنحة تكريم وتشريف للإنسان بأن استخلفه الله تعالى
على الأرض ليعبد الله وحده لا شريك الله ويستعمر الأرض بالعمل الدؤوب والإنتاج
المثمر والإعمار الثابت الراسخ الذي يقوم على عقيدة صحيحة سوية تتوارثة الأجيال إلى
أن تقوم الساعة بإذن الله، قال الله تعالى: [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـآــءِـكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]البقرة 030، وقال تعالى: [هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا]هود 061، هي منحة تكريم وتشريف ومحنة إمتحان وتكليف
لمن يدرك ذلك بقلبه السوي وعقله الناضج فيسعد بهذا التشريف ويرضى عن ذاك التكليف.
أن نعرف للحياة معنى وقيمة خير من أن نعيش فيها بلا هدف حقيقي أو غاية
نبتغيها ونسعى إليها، قصد وغاية يتغير من خلالها نمط المعيشة ليصبح ذو قيمة وهدف،
فالإنسان حينما يسير بصورة عشوائية ويتبع هواه ويعيش تبعــًا لرغباته وشهواته
وأفكاره غير السوية بلا ضابط أو رابط أو هدف حقيقي يسعى له ويبتغيه، فإنما هو بذلك
يعيش كما تعيش الأنعام بلا قيمة حقيقية لحياته أو معنى لتواجده على الأرض، والأنعام
أفضل منه لأنها تسير على الفطرة السليمة التي أودعها الله إياها وتؤدي وظائفها بما
أوجد الله فيها من خصائص واستعداد لذلك أداءً كاملاً صحيحــًا [إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا]الفرقان 044، إنَّ الإدراك القلبي لمعنى الحياة ينبع
من إيمان صادق والفهم العقلي لقيمة الحياة يظهر مع العبودية التامة الخالصة لله
ربِّ العالمين، فالإدراك والفهم ينبعان من معنى الإيمان والعمل وكذلك يدلان على
نفس المعنى، عَنْ سُفْيَانَ
بْنِ عَبْدِ الله الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ قُلْ لِي فِي
الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحدًا بَعْدَكَ)، قَالَ: ((قُلْ آمَنْتُ
بِالله ثُمَّ اسْتَـقِمْ)) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع
أوصاف الإسلام، رقم الحديث [62](38).
التــيه
التيه.. عقوبة من الله تعالى على بني اسرائيل عندما لم يستجيبوا لأمره
بدخول الأرض المقدسة، ولأنهم رفضوا البذل والعطاء والتضحية لله تعالى واختاروا
الراحة اللحظية رغم ما فيها من مذلة ومهانة واستعباد بل تجرؤا على نبي الله موسى
عليه السلام وكان لهم رد لا يعرف أدبــًا أو رقيــًا إنما يحمل الأنانية وسؤ الأدب
ويظهر مرض القلوب [قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا
فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] المائدة 024 فحرَّم عليهم الأرض المقدسة التي كتبها لهم وما فيها من نعم وخيرات
وتركهم يتيهون في صحراء سيناء أربعين سنة حتى ينبت نبتــًا خيرًا من نبتهم وينشأ
جيلاً خيرًا من جيلهم، قال الله تعالى: [قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ]المائدة 026.
التيه..
نلمسه
في الوقت المعاصر في فئة مجتمعية مسلمة تعيش في ترف مادي عالٍ جدًا، تحمل "التيه الحسي" تيه في الأفكار والتصورات من تأثر شديد بسلبيات المجتمع الغربي
وأفكار المجتمع الغربي من تمرد على الدين وأنَّ الإنسان ليس في إحتياج إلى الدين
وإنما يستطيع أن يضع نظام حياته بنفسه، ورغم أنَّ المجتمع الغربي ظهر بينه الآثار
السلبية لتمرده على الدين وإتباع الهوى من تفكك أسري مجتمعي وفقد للترابط الحياتي
وروح هذا الترابط وإنما الحياة مع المادة فقط.
التيه..
نلمسه
في الوقت المعاصر في فئة مجتمعية مسلمة تعيش في جهل ديني، تحمل "التيه المعنوي" تيه في الأخلاق والسلوك والمشاعر والغفلة عن الدين، وإنما تعيش
بالغرق في متاع الدنيا ورغبات النفس والأنانية وتمرد خفي على الدين وأعراف المجتمع
النابعة من الدين.
التيه.. كما أنَّ بني إسرائيل عاشت في التيه، إلا أنه خرج منهم جيل ناضج
فتح الله على يديه الأرض المقدسة، وهذا الأمر ننشده في أمة الإسلام أنَّ الوعي
الديني يزداد يومــًا بعد يوم، وهذا الوعي يظهر في تنافس وصراع مع التمرد على
الدين إلا أنه هو الأقوى والأشمل، فمع صراع الأفكار يكون دائمــًا النصر للأفكار
السليمة السوية الصلبة القوية التي تقوم على عقيدة ثابتة راسخة بإذن الله
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ
يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)]محمد 007.
الوسطية
الوسطية .. الإفراط ..
التفريط، معاني هامة يجب أن
نتفهمها ونعيش مع مقصد الخير فيها،، [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا]البقرة 143، إنَّ الله تعالى يصف أمته بخير وصف على الأرض بأنها أمة وسط، وسط
في عقيدتها، وسط في تشريعاتها، وسط في
أخلاقياتها، وسط في حال التزامها بمنهج الله تعالى.
ووسطية الأمة الإسلامية إنما هي مستمدة من وسطية منهجها ونظامها، فهو منهج وسط لأمة وسط،
منهج الإعتدال والتوازن الذي سلم من الإفراط والتفريط، أو الغلو والتقصير.
والوسطية تعني الإعتدال، الإعتدال في العقيدة، الإعتدال في العبادات، الإعتدال في السلوك
والأخلاق، الإعتدال في جميع جوانب الحياة، فلا إفراط ولا تفريط.
فعلينا أن نتخذ منهج
الوسطية في الحياة ...
فلا تشدد في فهم
الدين ولا نحمِّل أنفسنا فوق طاقتها، ولا ننغلق في فهم المعاني من أحاديث أو آيات
قرانية أو آراء فقهية، وإنما هي الوسطية، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا ثَلاَثاً. أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم صحيح مسلم، كتاب
العلم، باب هلك المتنطعون، رقم الحديث [7] (2670)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِي صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ الدَّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ
الدَّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا
بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)) صحيح البخاري، كتاب
الإيمان، باب الدين يسر، رقم الحديث (39)
ولا نسرف في
روحانيات الدين وفي رفع شأن أولياء الله الصالحين حتى وصل الأمر عند بعض المسلمين
باللجؤ إليهم لقضاء حوائجهم وطلباتهم الخاصة، ولا نهمل في الدين بدعوى الحرية والإنفتاح
على العالم الآخر بما يناسب متطلبات العصر ومتغيرات الحياة المجتمعية.
وإنما هي الوسطية
والإعتدال والتوازن في كل جوانب الحياة، [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا]البقرة 143
وَالْـبَلَدُ الطَّيِّبُ
قال الله تعالى: [وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ
لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)]الأعراف 058، ما أجمله من تعبير وما أحلاه من تصوير، فالله تعالى يبين لنا أن
القلب الطيب كالأرض الطيبة والتربة الطيبة، فالتربة الطيبة خصبة صافية نقية تقبل
الماء الطهور وتخرج نبتــًا طيبـًا حسنـًا مثمرًا وكذلك القلب الطيب خصب صافي نقي
يقبل الكلم الطيب والعمل الصالح ويخرج نبتــًا إيمانيــًا طيبـًا حسنـًا مثمرًا،
والتربة الخبيثة جافة ملوثة تحمل الشوائب لا تقبل الماء الطاهر ولا تستفيد منه
وتخرج نبتــًا قليلاً لا خير فيه كالسباخ والحنظل، وكذلك القلب الخبيث جاف ملوث
يحمل الشوائب يرفض الكلم الطيب ويتمرد على العمل الصالح ويخرج نبتــًا قليلاً لا
خير فيه، به إعراض عن الحق وبعد عن أبواب الخير والصلاح.
إنَّ صنع القلب
الطيب الصافي النقي يتطلب الشعور الإيماني بالفقر إلى الله والإتجاه إلى الله وحده
بالعبادة والإستعانة في كل جوانب الحياة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى
يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ
غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ
أَسُدَّ فَقْرَكَ)) سنن الترمذي، كِتَاب صِفَةِ
الْقِيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ وَالْوَرَعِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقَالَ
الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، سنن ابن ماجه
الدين والحياة
منظومة حياتية قلبية إيمانية تنشأ في توازن ما بين العقيدة الصحيحة والعبادة السوية
مع متطلبات الحياة والسعي نحو قضاء حوائج المعيشة والعيش الكريم الطيب المبارك، فلا
نصطحب الدين في حياتنا، وإنما نصطحب حياتنا في رحاب الدين .. والله أعلم




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق