15 من ربيع الأول 1437 هـ
073
كَانَ
خُـلُـقُـهُ الْـقُرْآنْ
قال الله تعالى: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)]القلم 004، فكان صلى الله عليه وسلم سهلاً لينــًا قريبًا من الناس، مجيبًا
لدعوة من دعاه قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده
خائبًا، وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه
محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم، ويقبل من محسنهم
ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في
وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا
يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية
الاحتمال.تفسير السعدي
فأين نحن من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، ونحن نكتفي بمظاهر
خارجية من إطلاق اللحى وإسدال الثياب ونوهم أنفسنا أننا نقتدي بسنته صلى الله عليه
وسلم، والأولى أن نقتدي بحُسْنِ خُلُقُهِ وجميل صفاته في التعاملات والمعاملات، في
بشره وبشراه، في صدقه ونوره، في تبسمه وبشاشته، في سماحته ولطفه، فقد كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم مثلاً ومناراً لكافة الناس بحُسْن خُلُقه وجميل صفاته، وَقَالَ أَبُو ذَرٍ لَمَّا
بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى
هَذَا الْوَادِي فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ
بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب حسن
الخلق والسخاء، وما يكره من البخل
في حديث طويل في صحيح مسلم .. قدم سعد بن هشام بن عامر المدينة وأتى
السيدة عائشة رضي الله عنها يسألها عن بعض المسائل، فقال: فَقُلْتُ:
يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! أَنبئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ: أَلَستَ
تَقرَأُ القُرآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَت : فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ القُرآنَ. صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين
وتقصيرها باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، رقم الحديث [139](746)
وفي
مسند الإمام أحمد .. عن سعيد بن هاشم بن عامر
قال أتيت عائشة فقلت: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ أَخْبِرِينِي
بِخُلُقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا
تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللهِ عز وجل [وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]القلم 004
قال
الله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ
كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21)]الأحزاب 021
كَانَ
خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .. كان صلى
الله عليه وسلم يتصف بحُسن الخلق ويحث أمته على حُسن الخلق ويصف أصحاب هذه الصفة
الحميدة بالأخيار، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
دَخَلْنَا عَلَىَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ إِلَىَ
الْكُوفَةِ فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ
فَاحِشــًا وَلاَ مُتَفَحِّشــًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: ((إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقــًا)) صحيح مسلم، كتاب
الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث [68](2321)، صحيح
البخاري، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل
كَانَ
خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .. كان صلى
الله عليه وسلم يختار الأسهل والأيسر، كان غيورًا على دينه مبغضــًا لإنتهاك حرمات
الله عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمــًا، فَإِنْ
كَانَ إِثْمــًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، ومَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ عَزَّ
وَجَلَّ صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم
للاَثام واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، رقم الحديث [77](2327)
كَانَ
خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .. كان صلى
الله عليه سلم شديد الحياء، وكان إذا كره شيئــًا لا يتكلم به لحيائه بل يتغير
وجهه فيتفهم الصحابة كراهته، عَنْ أَبَي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ
حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئـًا
عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله
عليه وسلم، رقم الحديث [67](2320)
كَانَ
خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .. كان صلى
الله عليه وسلم بشوشــًا وقورًا متبسمــًا، عَنْ
سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيراً، كَانَ لاَ يَقُومُ
مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّىَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ
فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ
الْجَاهِلِيِّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ صلى الله عليه وسلم صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب تبسمه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته، رقم الحديث [69](2322)
كَانَ
خُلُقُهُ الْقُرْآنَ .. كان صلى
الله عليه وسلم رحيمــًا رؤوفــًا هينــًا لينــًا مع نسائه ومع الصحابة الكرام
والناس أجمعين، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَغُلاَمٌ أَسْوَدُ
يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ يَحْدُو، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: ((يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقـــًا بِالْقَوَارِيرِ)) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمة النبيِّ صلى الله
عليه وسلم للنساء، وأمر السواق مطاياهن بالرفق بهن، رقم الحديث [70](2323) وقال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ]آل عمران 159، وقال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)]الأنبياء 107
وهذه
أمثلة لبعض صفاته الكريمة العظيمة وهو الشريف الكامل والبطل الباسل، ومن علامات الصدق مع
الله وحبه اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في
جميع أحواله وأقواله وأفعاله، وفي أصول الدين وفروعه، وفي الظاهر والباطن، وعلى
حسب الإتباع يكون الإيمان وحب الله ورسوله، قال الله تعالى: [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)]آل عمران 031
ورسول
الله يحب من أمته صاحب الخُلُق الرفيع والصفات الحميدة الذين يألفون ويؤلفون يأنسون بالناس ويأنس الناس بهم، ويبغض النمام الثرثار
المتشدق الباغي السؤ لإخوانه ويتصيد الأخطاء لغيره، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ
يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي
مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ
الْمُتَفَيْهِقُونَ)) رواه الطبراني، كتاب
مكارم الأخلاق، باب مَا جَاءَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ
عن
جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ
وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ
مِنْ أَبْغَضِكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ
الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ))، قالوا: (يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمَنَا
الثَّرْثَارِينَ والمُتَشَدِّقِينَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ) قال: ((الْمُتَكبِّرُونَ) رواه الترمذي، أبواب
البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
الثرثار:
هو كثير الكلام؛؛ والمتشدق: هو الذي يتطاول على الناس في الكلام.
وعن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((ألا أخبركم بخياركم))
قالوا: (بلى يا رسول الله) قال: ((الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تعالى)) ثم قال: ((ألا
أخبركم بشراركم، المشَّاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة، الباغون للبُرَآءِ العَنَت)) راوه الإمام أحمد
والْبُرآء: جمع بَرِيء، والعَنَتُ: المشقَّة والفساد والهلاك
والإثْم والغَلَط والخَطَأ
فشرار الناس هم الذين يطلبون للبريء السالم المشقة والفساد، ويريدون
أن يلطخوا المطهرين السالمين بما عافاهم الله منه من الآثام والعيوب ويتصيدون لهم
الأخطاء حتى وإن كان بالكذب والنميمة، وهؤلاء وأمثالهم يبغضهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويبغض صفاتهم الذميمة.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق