الجمعة، 9 أكتوبر 2015

مَـتَـاعُ الْـغُـرُورِ



25 من ذي الحجة 1436 هـ     072

مَـتَـاعُ الْـغُـرُورِ




ماذا تعني الراحة والطمأنينة في الدنيا!؟
راحة وطمأنينة في شكل سلبي أم راحة وطمأنينة في شكل إيجابي ..
أن تكون الدنيا مالكة للإنسان ومتحكمة فيه .. أم يكون هو مالك لها ومتحكم فيها ..
أن تسكن الدنيا في القلب والعقل وداخل النفس، وفي كيان الإنسان كله ..
أم يسكن بها الإنسان كمسافر أو عابر سبيل أو فترة إقامة مؤقتة ..

الدنيا لا تساوي عند الله شيئــًا، فلا قيمة لها ولا تزن عنده جناح بعوضة، فهي متاع حقير زائل فاني منتهي، وكما في الحديث الشريف عن مسهر بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء)) رواه الترمذي، كتاب أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله
والآية الكريمة في سورة الزخرف تبين حقيقة قيمة الدنيا عند الله تعالى، حقيقة أنَّ هذه الدنيا فانية زائلة حقيرة عند الله تعالى، وأنه يجعل للكافرين زخارف الحياة الدنيا بأشكالها وصورها المختلفة والمتعددة، قال الله تعالى: [وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّــقِينَ (35)]الزخرف 35:33، ولكنه سبحانه وتعالى منعه من ذلك رحمته بعباده خوفــًا عليهم من التسارع في الكفر وكثرة المعاصي والإنجراف الشديد نحو متاع الدنيا عندما يرون أنَّ الدنيا مفتوح أبوابها لمن يكفر بالله تعالى.

إنَّ أبواب الأرزاق قد يفتحه سبحانه للكافر وللمؤمن كعطاء من عنده يمنُّ به على من يشاء من خَلْقِهِ، وهذا دليل آخر على عدم قيمة الدنيا عنده سبحانه، قال الله تعالى: [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)] الإسراء 20:18

يسود لدى بعض الناس أنَّ المال الوفير الذي يأتيه بإستمرار والمشاريع الكثيرة التي يخوضها في نجاح دليل على محبة الله لهم، رغم أنَّ هؤلاء لا يؤدون حق الله عليهم من صلاة أو زكاة، ويسلكون طرقــًا غير سوية ملتوية للتكسب الكثير ووهم نجاح المشاريع، وقد نرى أمام أعيننا فاجرًا أو طاغيــًا أو كافرًا يُظهِرُ عداءً شديدًا لدين الله تعالى، ورغم هذا يعيش في زخرفة حياتية ولا ينزل عليه عقاب من السماء، رغم أننا كبشر ننتظر عقابه السريع بنظرة قاصرة عجولة تستحق التصويب، قال الله تعالى: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)]الأنعام 044، فهو استدراج من الله تعالى لمن يعرض عن طريق الهدى ويتناسى ويتغافل ويعادي الحق، فيأخذهم الله تعالى بغتة وهم بين قمة الفرح والسعادة مع الغفلة والغرق في متاع الدنيا من مالٍ وأولادٍ ورخاءٍ وترف وجاه وسلطان، [فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ] أي: آيسون**من كل خير.
 ** وآيسون تعني: انقطع رجاؤهم 
   
إنَّ الغرق في متاع الدنيا ينشأ عن جهل، والجهل يأتي عندما تموت القلوب، والقلب يموت حينما تسود الغفلة داخل الإنسان ويصبح حب الدنيا كيان حياته ويوهم نفسه بالسعادة والراحة والطمأنينة، والغفلة تتكون مع فراغ العبادة والبعد عن الصراط المستقيم، قال الله تعالى: [وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)] الزخرف 36    
والإنسان السوي هو من يعيش في هذه الحياة دون الغرق في متاعها الزائل، وإنما يأتي ذلك عند التوازن والوسطية ما بين حياة آمنة مستقرة بفهم راقي للمقصد والمبتغى من هذه الحياة، وحياة أبدية خالدة نرجوها وننظر فيها النعيم المقيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث [1](2956)، وقال الله تعالى: [إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (33)]لقمان 033



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق