الأربعاء، 7 يناير 2015

تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ



مكتبة العلم النافع

16 من ربيع الأول 1436 هـ     042

تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ

حديثٌ نبويٌ شريف يوضح الفرق بين من يغرق في الحياة الدنيا ومطالب الدنيا، ومن يعمل لله وفي سبيل الله بلا حب للرياسة أو الشهرة، وإنما عمله خالصـــًا لله ربِّ العالمين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، رقم الحديث 2886
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِى السَّاقَةِ كَانَ فِى السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ)) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، رقم الحديث 2887

ومعانى الكلمات والتعبيرات من فتح الباري في شرح صحيح البخاري
(تَعِسَ): أي سقط والمراد هنا هلك، وقيل التعس أن يعثر فلا يفيق من عثرته.
وقوله (عَبْدُ الدِّينَارِ): أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه فكأنه لذلك خادمه وعبده، وقيل خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالاسير الذي لايجد خلاصا.
(وَالْقَطِيفَةِ): هي الثوب الذي له خمل (نسيج في أطراف الثوب)                (وَالْخَمِيصَةِ): الكساء
وقوله (تَعِسَ وَانْتَكَسَ): أي عاوده المرض وقيل إذا سقط اشتغل بسقطته حتى يسقط أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى بانتكس بعد تعس انقلب على رأسه بعد أن سقط، وقيل: فيه الترقي في الدعاء عليه لأنه إذا تعس انكب على وجهه.
(وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ): والمعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحراك والسعي في تحصيل الدنيا، وفيه إشارة الى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة وسوغ الدعاء عليه كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات.
وفي قوله (طُوبَى لِعَبْدٍ): إشارة إلى الحض على العمل بما يحصل به خير الدنيا والآخرة، والمراد الدعاء له بالجنة.
وقوله (إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِى السَّاقَةِ كَانَ فِى السَّاقَةِ): قال بن الجوزي المعنى: أنه خامل الذكر لا يقصد السمو فإن اتفق له السير سار فكأنه قال إن كان في الحراسة استمر فيها وإن كان في الساقة استمر فيها.
وقوله (إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ): فيه ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع.
انظر فتح الباري جـ6 صـ92، جـ11 صـ278

هذا الحديث النبوي الشريف فيه مقارنة بين الضعيف الذي غلبه ضعفه في طلب المال والثراء والجاه [وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)]النساء 028، وبين المؤمن القوي الذي غلب ضعفه بقوة إيمانه، وهو خامل الذكر لا يطلب السمو، لا ينتبه له أحد ولا حتى القريب منه، ولكنه له منزلة عظيمة عند الله تعالى.


ومن يغرق في مطالب الحياة الدنيا هو من لا يؤدي حق الله، ويعيش في غفلة عن أداء حق الله، سواء كان غنيـــًا أو فقيرا، فقد يكون فقيراً لا يمتلك شيئـــًا ولكن شُغله الشاغل هو كسب المال وجمع المال ويتخذ الوسائل المشروعة وغير المشروعة لذلك ويعيش في سخط على مقادير الله، وقد يكون غنيـــًا يمتلك المال والثروات ولا يفكر إلا في زيادة المال بشتى الوسائل، ولا يؤدي حق الله فلا يخرج الزكاة ولا يفكر في إخراجها، وهؤلاء من ذكرهم الله في كتابه الحكيم: [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)]التوبة 034،035

والمعنى الجميل في الحديث النبوي الشريف عن العبد الصالح المجاهد في سبيل الله (إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِى السَّاقَةِ كَانَ فِى السَّاقَةِ)، فمن شدة إخلاصه لله تعالى يقوم بتنفيذ ما يُطلَبُ منه دون إبداء اعتراض أو مناقشة، وهذا دليل على شدة إخلاصه لله وحُسن توكله على الله، وكما قال المفسرون أنَّه خامل الذكر بين الناس، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين منزلته عند الله تعالى (طُوبَى لِعَبْدٍ) وقيل: طوبى أشهر شجر الجنة وأطيبه.  

هناك تعليق واحد: