السبت، 17 يناير 2015

لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا



مكتبة العلم النافع

26 من ربيع الأول 1436 هـ     043

لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا


غزوة بدر ءاية من آيات الله تعالى للفصل بين الحق والباطل، الهدى والضلال، وهناك معنى هام جداً نتأمله في هذا الشأن، يكشف عن تدبير الله لإرادته بعيداً عن السببية البشرية، ولكنه سبحانه وتعالى يأخذ السببية البشرية حيث ما أراد وحيث ما شاء، فالمسلمون خرجوا على قافلة أبي سفيان، وهم يرون أنَّ في ذلك إثباتـــًا لحقوقهم وتلميحـــًا لقدرتهم بعد ما اعتدى المشركون على بيوتهم وأهليهم في مكة من بعد هجرتهم، ولكنَّ الله تعالى أخذهم لأمر آخر بمشيئته وقدرته.

[وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)]الأنفال 008،007، وعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين إما أن يظفروا بالعير (القافلة) أو بالنفير (الحرب)، فأحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين ولأنها غير ذات شوكة، ولكن الله تعالى أحب لهم وأراد أمرا أعلى مما أحبوا، أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم، وذلك لنصرة أهل الحق وليستأصل أهل الباطل، ويُرِيَ عباده من نصره للحق أمرًا لم يكن يخطر ببالهم. من تفسير السعدي

هو أمر الله ومشيئته وإرادته وقدرته [إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا]الأنفال 042 إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرًا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)] الأنفال 042، يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل لقيام الحجة عليه، ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة، والإيمان هو حياة القلوب من تفسير ابن كثير، [لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)]الأنفال 044

كيف نتعايش مع مشيئة الله والأسباب !! سواء في الأحداث التي تمر بمجتمعاتنا أو في حياتنا الشخصية ؟

أعتقد أنَّ هذا يأتي مع الإيمان، والفهم الحقيقي للإيمان، ولكن مع ضعف الإيمان تكون العين على الأسباب وأصحاب الأسباب والإمكانيات المتاحة لدى أصحاب الأسباب، وهذه النظرة لحظية قاصرة ضيقة لا قيمة لها.
أما إن كانت النظرة واسعة عميقة متأنية سنجد أنَّ الأمور تتبدل والأحداث تتغير مع الأيام، وهذا الأمر واضح عبر التاريخ [وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]آل عمران 140، يوم لهذه الطائفة ويوم لتلك الطائفة، وهذا بسبب أنَّ الدنيا دار فانية منقضية لا شأن لها عند الله، بخلاف الدار الآخرة فإنها دار قرار واستقرار خالصة للمؤمنين كحياة أبدية خالدة.

 عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاســـًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ: (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ)، قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّىَ الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الْكَيْسُ وَالْعَجْزُ)) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر، رقم الحديث [18] (2655)
(الْعَجْزُ) على ظاهره هو عدم القدرة، (وَالْكَيْسُ) ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، فالعاجز قد قُدِّرَ عجزه، والكيس قد قُدِّرَ كيسه. تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم

العَجْزُ والكَيْسْ لدينا متغير ومتقلب، قد أكون عاجزاً في جوانب من حياتي ومتمكنــًا ونشيطــًا في جوانب أخرى، فكل منا يجب أن يعرف إمكانياته وقدراته مع الإيمان أن الأمور تسير بمقادير [وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)]يوسف 021، فأمره تعالى نافذ لا يبطله مبطل ولا يغلبه مغالب تفسير السعدي، وعدم معرفتنا للغيب يأخذنا إلى الأمل والرجاء مع السعي والاجتهاد، وإلى طلب فضل الله وإحسانه ورحمته ورضوانه في الدنيا والآخرة [يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)]يوسف 087

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق