الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

الإنسان والطبيعة البشرية




مكتبة العلم النافع

17 من صفر 1436 هـ     026

الإنســــان والطبيعة البشرية 1



الإنسان كائن خلقه الله تعالى مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد، مزدوج في طبيعته وكينونته، لأنَّ الله خلقه من طين ونفخ فيه من روحه، [فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي] الحجر 029 فالإنسان خليط بين المادة والروح، الجسد ومتطلباته ورغباته، وكذلك الروحانية النفسية القلبية العاطفية المعتدلة، لديه استعدادات متساوية للخير والشر، الهدى والضلال، ولديه قوة الفطرة الكامنة في داخله التي تساعده على تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، ولديه الرغبة البشرية الجامحة التي تأخذ صاحبها إلى الشر ومطالب الهوى حسب ما يرغب ويبتغي دون رابط أو ضابط.  

عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّــيِّبُ)). سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة البقرة، ورواه أبو داود وابن حبان والإمام أحمد
 وهناك صفات متعددة للإنسان ذكرها الله تعالى في كتابه الحكيم، هي صفات في طبعه البشري تسكن بداخله وتستقر بين جوانبه، ولكن عليه أن يقوِّمها ويغيرها ويسعى إلى تحسين الصفة إلى الأفضل.

·       صفة الاستعجال

صفة من صفات الإنسان التي ذكرها الله في كتابه الحكيم، صفة من أهواء النفس ورغباتها الضيقة، صفة فيها الإدراك ضيق والتلهف على المطلوب كبير دون النظر إلى العواقب، [وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)] الإسراء 011، فمن آداب الدعاء ألا ندعو الله بمطلب دنيوي، فنحدد في دعائنا شيئاً بعينه، كدعاء للعمل أو الزواج أو السفر أو أي شيء نرغبه، لأن نظرتي البشرية قاصرة فلا أعرف إن كانت الشركة أو الجهة التي أرغب العمل فيها، هل لي فيها خير أم لا، أو العروسة الفلانية أو العريس الفلاني وغير ذلك، وإنما يكون الدعاء في مطلبي بالخير وأن نوكل الأمر إلى الله، مع الصبر إلى أن يأذن الله بتحقيق دعائنا.
[عَجُولًا] أي يسارع إلى ما يخطر بباله ولا ينظر عاقبته تفسير الطبري، هي صفة داخل طبيعتنا البشرية وداخل نفوسنا الإنسانية،[خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ] الأنبياء 037، فمن فرط استعجاله كأنَّه مخلوق من عجل، وإنما يكون تقويم ذلك بحُسن التوكل على الله، والاعتماد القويم، وضبط النفس، وضبط الرغبات، والرضا بقضاء الله.

·        صفة حب الحياة، وحب المال


صفة الحرص على الحياة وعلى المال، هو الحرص المذموم الذي لا يتناسب مع الفطرة السليمة، والعبودية القويمة، ولكنها صفة داخل النفس البشرية، وطبيعة الإنسان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ((قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَىَ حُبِّ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الْحَيَاةِ، وَحُبُّ الْمَالِ)).
صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، رقم الحديث [114] (1046)
ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب لطول الحياة وللمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: سَمِعَتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيــًا ثَالِثَـــًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ))
صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا، رقم الحديث [116] (1048)، وفي صحيح البخاري
ومعنى ((وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرابُ)) أنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم

وعلاج هذه الصفة البشرية ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ الْغِنَىَ عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَىَ غِنَىَ النَّفْسِ)).
صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، رقم الحديث [120] (1051)
فهو الغنى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حرصها، ولا يأتي ذلك إلا بالرضا، ولا تعارض بين الرضا والسعي، بين الحمد والعمل المحمود، بين الشكر وطلب الرزق وسعة الرزق وطلب حُسن العيش، وإنما يصحب الطلب الرضا والحمد والشكر والعمل الصالح، والله أعلم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق