1 من
ربيع الأول 1436 هـ 034
الـنَّــخْــلَــةُ مَـــثَلُ الْــمــسْــلِمِ
حديث نبوي شريف يبين
لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فضائل المؤمن، والخير الذي فيه بإيمانه وصدق إيمانه، وتشبيه ذلك بالنخلة، وخيرات النخلة وبركة النخلة.
عَنْ
ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ
مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ،
فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟))، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي،
قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ،
ثُمَّ قَالُوا: (حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟)،
قَالَ:
((هِيَ
النَّخْلَةُ)) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب حدثنا أو أخبرنا... رقم الحديث 61، وصحيح مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب مثل المؤمن مثل
النخلة
وَبَرَكَةُ
النَّخْلَةِ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا، مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ
أَحْوَالِهَا، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا،
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي
عَلْفِ الدَّوَابِّ وَاللِّيفِ فِي الْحِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا
يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ الْمُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.فتح
الباري في شرح صحيح البخاري،، والشرح جـ1 صـ177
قال
العلماء: كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه، ويواظب على صلاته
وصيامه وقراءته وذكره والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك، فهذا هو الصحيح في
وجه التشبيه.شرح الإمام النووي لصحيح مسلم
[أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ
مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا
فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ
الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)]إبراهيم 025،024، ذكر أئمة المفسرين في شرحهم لهذه الآية الكريمة أنَّ الشجرة
الطيبة هي النخلة لأنها كثيرة النفع دائماً
ومن يتأمل في النخلة والمؤمن المطيع لله يجد
بينهما أوجهاً من الشبَه كثيرة، منها:
1- أن النخلة لابد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، وكذلك
الإيمان لابد له من أصل وفروع وثمر؛ فأصله الإيمان بأصول الإيمان الستة المعروفة،
وفروعه الأعمال الصالحة والطاعات المتنوعة والقربات العديدة، وثمراته كل خير
يحصِّله المؤمن وكل سعادة يجنيها في الدنيا والآخرة.
2- والنخلة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنمِّيها، فهي لا تحيا
ولا تنمو إلا إذا سقيت بالماء، فإذا حُبس عنها الماء ذبلت، وإذا قُطع عنها تماماً
ماتت؛ وهكذا الشأن في المؤمن لا يحيا الحياة الحقيقية ولا تستقيم له حياته إلا
بسقي من نوع خاص؛ وهو سقي قلبه بالوحي: كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم،
قال الله تعالى: [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ
مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا]الأنعام 122، وبهذا يُعلم أن شجرة
الإيمان في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل
الصالح وإلا أوشكت أن تيبس.
3- ومن أوجه الشبه بين المؤمن والنخلة: أن النخلة شديدة الثبوت كما
قال الله تعالى [أَصْلُهَا ثَابِتٌ]، وهكذا الشأن في الإيمان إذا رسخ في القلب؛ فإنه يصير في أشد ما
يكون من الثبات لا يزعزعه شيء بل يكون ثابتاً كثبوت الجبال الرواسي.
4- والنخلة لا تنبت في كل أرض بل لا تنبت إلا في أراضٍ معيَّنة
طيبة التربة، فهي في بعض الأماكن لا تنبت مطلقاً وفي بعضها تنبت ولكن لا تثمر، وفي
بعضها تثمر ولكن يكون الثمر ضعيفاً، فليست كل أرض تناسب النخلة؛ وهكذا الشأن في
الإيمان فهو لا يثبت في كل قلب، وإنما يثبت في قلب من كتب الله له الهداية وشرح
صدره للإيمان، والقلوب أوعية متفاوتة وبعضها أوعى من بعض.
5- وقد وصفت النخلة في الآية بأنها شجرة طيبة، وهذا أعم من طيب
المنظر والصورة والشكل ومن طيب الريح وطيب الثمر وطيب المنفعة؛ والمؤمن كذلك أجلُّ
صفاته الطيب في شؤونه كلها وأحواله جميعها، في ظاهره وباطنه وفي سره وعلنه، ولهذا
عندما يدخل المؤمنون الجنة تتلقاهم خزنتها قائلة لهم: [سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ]الزمر 073، وقال تعالى: [الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ
سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ]النحل 032.
6- والنخلة كل شيء فيها ينفع، وهكذا الشأن بالنسبة للمؤمن مع
إخوانه وجلسائه؛ لا يُرى فيه إلا الأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة والمعاملة
الحسنة والنصح لجلسائه وبذل الخير لهم، ولا يصلُ إليهم منه ما يضر، بل لا يصل
إليهم منه إلا ما ينفع.
7- ثم إن قلب النخلة وهو الجمار من أطيب القلوب وأحلاها؛ إذ هو حلو
الطعم جميل المذاق، وكذلك قلب المؤمن من أطيب القلوب وأحسنها لا يحمل إلا الخير،
ولا يبطن سوى الاستقامة والصلاح والسلامة.
8- وثمر النخلة من أنفع ثمار العالم وله حلاوة لا تدانيها حلاوة،
وكذلك الإيمان له حلاوة ولذة لا يذوقها إلا صحيح الإيمان؛ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ
فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ
إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا
لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ
يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم الحديث 16، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من
اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم الحديث [67] (43).
9- ثم إن النخل بينه تفاوت عظيم في شكله ونوعه وثمره ، فليست
النخيل في مستوى واحد في الحسن والجودة بل بينه من التفاوت والتمايز الشيء الكثير؛
وهكذا الشأن بين المؤمنين، فالمؤمنون متفاوتون في الإيمان، وليسو في الإيمان على
درجة واحدة، بل بينهم من التفاوت والتفاضل الشيء الكثير، كما قال الله تعالى: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ]فاطر 032.
10- والنخلة كلما طال عمرها ازداد خيرها وجاد ثمرها، وكذلك المؤمن
إذا طال عمره ازداد خيره وحسن عمله، عن عبد الله بن قيس أنَّ أعرابياً قال: يا رسول الله من
خير الناس؟ قال: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) سنن الترمذي، كتاب الزهد،
باب ما جاء في طول العمر للمؤمن
فهذه بعض أوجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة؛ يحيا بتأملها قلب
المؤمن ويزيد إيمانه ويقوى يقينه، ويعظم شكره وحمده لربه،
يُعلم منها أنَّ الإيمان
شجرة مباركة عظيمة النفع غزيرة الفائدة كثيرة الثمر لها مكان خاص تغرس فيه ولها
سقي خاص ولها أصل وفرع وثمار:
أما مكانها : فهو قلب المؤمن ، فيه توضع بذورها وأصولها ، ومنه
تتفرع أغصانها وفروعها .
وأما سقيها: فهو الوحي المبين؛ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم، فبه تسقى هذه الشجرة، ولا حياة لها ولا نماء إلا به.
وأما أصلها: فهو أصول الإيمان الستة، وأعلاها الإيمان بالله تعالى
فهو أصل أصول هذه الشجرة المباركة.
وأما فروعها: فهي الأعمال الصالحة والطاعات المتنوعة والقربات
العديدة التي يقوم بها المؤمن.
وأما ثمراتها: فكل خير وسعادة ينالها المؤمن في الدنيا والآخرة فهو
ثمرة من ثمار الإيمان ونتيجة من نتائجه.
وإنا لنسأل الله العظيم الكريم أن يُعظِم نماء هذه الشجرة الكريمة
المباركة في قلوبنا، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين المتقين، وأن يصلح لنا شأننا
كله، فإنه خير مسئول وأفضل مأمول.
هذا الشرح المبارك لأوجه الشبه
بين المؤمن والنخلة من الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر


جزاكم الله خيراً
ردحذفمعلومات قيمة وإفاده طيبة