الجمعة، 26 ديسمبر 2014

أحوال المؤمنين يوم القيامة



مكتبة العلم النافع
4 من ربيع الأول 1436 هـ     035

أحوال المؤمنين يوم القيامة 1
 


عندما نرى أهل الباطل يعيشون في غيهم وضلالهم، ويجولون في الأرض فساداً وإفسادا، نتساءل فيما بيننا لماذا يتركهم الله عز وجل ولما لا يُنزِلُ عليهم غضبه وعذابه، وقد نرى أناساً مؤمنين موحدين ويعيشون في ضيق من العيش رغم التزامهم بمبادىء الدين وركائزه.
إنَّ الإيمان الحقيقي الصادق بالله وباليوم الآخر هو الثبات على طريق الحق والتمسك به مهما كان في الحياة من صعاب، والإيمان بكتاب الله وما فيه من آيات ومعاني يكون لنا عوناً ومنهجاً في فهم الحياة وفهم الحكمة منها، والحكمة فيها، [وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20)]فاطر 020،019.

وقال تعالى: [أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّــاـلِحَــاـتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)]ص 028، فالإيمان بالثواب والعقاب، والجنة والنار أمر هام جداً كمنهج نأخذه في حياتنا ونتمسك به حتى نلقى الله عز وجل.


ويوم القيامة فيه الفصل بين صراع الحق والباطل، وفيه الفصل لهذا الصراع وإظهار الحق أمام خلق الله أجمعين [إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّــاـبِئِينَ وَالنَّصَــاـرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَــاـمَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)]الحج 017، فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم حفيظ لأقوالهم عليم بسرائرهم وما تُكِن ضمائرهم. تفسير ابن كثير

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف حال المسلمين يوم القيامة، رغم شدة هذا اليوم العظيم وعظم شأنه، والآيات القرآنية الدالة على ذلك كثيرة، [يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَــاـحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)]عبس 037:034، هناك فرق بين المسلمين الموحدين والكافرين المشركين، فهؤلاء لهم طمأنينة وسكينة بعقيدتهم السليمة وإيمانهم الصحيح [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)]الأنبياء 103:101، وأولئك في تشتت وفزع وسؤ عاقبة لتكذيبهم دعوات الحق وتكبرهم على الله في الحياة الدنيا [وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَــاـفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّــاـلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَــاـرُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)]إبراهيم 043،042، [مُهْطِعِينَ] أي: مسرعين إلى إجابة الداعي حين يدعوهم إلى الحضور بين يدي الله للحساب لا امتناع لهم ولا محيص ولا ملجأ، [مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ] أي: رافعيها قد غُلَّتْ أيديهم إلى الأذقان فارتفعت لذلك رءوسهم، [لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ] أي: أفئدتهم فارغة من قلوبهم التي قد صعدت إلى الحناجر لكنها مملوءة من كل هم وغم وحزن وقلق. تفسير السعدي    

والمسلمون الموحدون على ثلاث مراتب [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَــاـبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَالِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)]فاطر 032، فالنجاح والفلاح لمن اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب وهو القرآن الكريم، المرتبة الثالثة في قوله تعالى [فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ] وهو العاصي الغافل في أداء الواجبات، والمرتبة الثانية [وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ] وهو المتوسط في العمل، والمرتبة الأولى [وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ] وهو من اجتهد وتسابق وتميز في أداء الفروض والسنن والنوافل وسارع إلى رضا الله ورحمته، فهؤلاء جميعاً من اصطفاهم الله تعالى لوراثة الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه فإن أصل الإيمان معه في نفسه وقلبه.

في تفسير ابن كثير رحمه الله أربعة أقوال عن قوله تعالى [تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)]المعارج 004، أحدهما: أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة، والثاني: أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، والثالث: أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة، وهو قول غريب جدًا، والرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة، عن ابن عباس قال: فهذا يوم القيامة، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة.
وعن أبي سعيد الخدري قال: (قيل يا رسول الله [فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ]، ما أطول هذا؟)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا)) رواه الإمام أحمد وإسناده حسن على ضعف في راويه.



وهناك أحوال ثلاثة للناس يوم القيامة، أحوال أهل النار من الكفار والمنافقين، أحوال العصاة من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لهم توحيد؛ لكنهم خلطوا هذا التوحيد بمعاصٍ وسيئات وذنوب وكبائر، وأحوال السعداء -جعلنا الله وإياكم منهم- الذين استسلموا لله، وخضعوا وانقادوا، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان.

وللحديث بقية لتفصيل ذلك بإذن الله تعالى .. والله المستعان. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق