مكتبة العلم
النافع
2 من صفر 1436 هـ 018
عَطَاءُ رَبــّـِـكَ
هناك فكرة منتشرة
بيننا في حديثنا العابر، وهي أنَّ المؤمن سيأتيه الرزق الواسع الوفير، وستأتية
خيراتٌ كثيرة بإيمانه وصلاته وصدقه وعمله الصالح، ولكن حينما تنظر إلى الواقع
العملي تجد أنَّ هذا الأمر يحدث ولا يحدث، بل قد تجد فاجراً ولديه مالاً كثيراً وفيراً،
وتجد صاحب السعي بالطرق الملتوية والوسائل غير الشرعية هو الناصح الفالح الذي يأتي
لنفسه بالسيارات والعمارات والحساب في البنك، والمؤمن الذي يصلي في المسجد كل صلاة
ويصوم ويقوم ويتصدق ويحسن القول والفعل، تجده يعيش في ظروف وأحوال ضيقة .. فكيف
يكون هذا !؟
قد يكون أغنى
أغنياء العالم من غير المؤمنين، ويكون لديه المليارات والشركات والمشروعات، وهناك
أيضاً من المؤمنين من لديه الخير الوفير والمال الكثير، وهناك من الكافرين فقراءٌ
معدَمون، ومن المؤمنين المخلصين ويعيش في ضيقٍ لذات اليد ويُعَدُ من الفقراء؛؛ لقد
كان من الصحابة الكرام من يطلق عليهم "أهل الصُّفَة" من أشد فقراء
المسلمين كأمثال "أبو عبيدة بن الجراح وأبو ذر الغفاري عمار بن ياسر وبلال بن
رباح وخباب بن الأرت وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين".
الدُّنيا مرحلة لا
قيمة لها ولا شأن لها عند الله عز وجل، وبيَّنَ الله تعالى في كتابه الحكيم أنها "العاجلة"،
فمن أرادها وكانت هدفه ومبتغاه يُعجِّلُ الله فيها بمشيئته وإرادته وإذنه، وأما
المؤمن الذي يسعى للآخرة فسعيه مقبول محمود عند الله وله الأجر والثواب، يقول الله
تعالى: [مَنْ كَانَ يُرِيدُ
الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا
لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا
نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
مَحْظُورًا (20)
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ
دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)] الإسراء 021:018
عطاء
الله في الدنيا يكون للمؤمنين وللكافرين، فهو ليس ممنوعاً عن أحد من خلْقه، وهذا
من فضل الله وإحسانه على جميع خلْقه، والعطاء متنوع ومتعدد فهناك الغني والفقير،
والحسن والقبيح، والصحيح والعليل، والسعيد والشقي، والعلم والجهل، والعقل والسفه،
وسعة في الرزق وقلة فيها [وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا] أي: ممنوعاً منقوصا، ولكن الفرق بين عطاء الله للمؤمن وللفاجر أو
الكافر في قوله تعالى: [انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ
أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)].
المؤمن يعيش في الدنيا في طاعة الله والتسليم لأمره والرضا بقضائه، ولكن هذا لا يمنع السعي الحثيث لحُسن المعيشة وأن نسأل الله ذلك، [وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)] النساء 032
والتَّمني المقصود في الآية الكريمة هو التَّمني السَّيء المصحوب بالسخط وعدم الرضا، فالله رفع بعضنا فوق بعض
في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه ومقاديره علينا، فلا نتمنى غير الذي قضى لنا، ولنسأل الله ليزيد فضله وجوده وكرمه علينا، فالله هو الجوَّاد الوهَّاب الكريم الرزَّاق، يعطي لمن يشاء ما يشاء، فلنسأل الله ولنسأل الله، ونُلح على جلاله بالدعاء فيما نرغبه ونبتغيه في الدنيا والآخرة، ولا نحدد في مطالبنا الدنيوية أمراً بعينه لأننا لا نعلم الغيب ولا نعلم من أين يأتي الخير، ومن الأدعية المأثورة "اللهمَّ إني أسالُك الخيرَ كلَّه عاجلَه وآجلَه ما علمتُ به وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه ما علمتُ به وما لم أعلم"، وفي الحديث الشريف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سلوا الله من فضله ، فإن الله يحب أن يُسألَ، وإنَّ أحبَّ عباد الله إلى الله الذي يُحبُ الفرج)) رواه الترمذي في كتاب الدعوات


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق