الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

الإيمان بالقدر




مكتبة العلم النافع
4 من صفر 1436 هـ     019

الإيـــمان بالــقـدر



الإيمانُ بالقدرِ خيرِهِ وشرِهِ ركنٌ من ستة أركان يقوم عليها الإيمان، كما في حديث جبريل المشهور ثُمَّ قَالَ: (أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ)، قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ)) قَالَ: (صَدَقْتَ)

سنن النسائي، كتاب الإيمان وشرائعه، باب نعت الإسلام

فالقدر هو كل ما وضعه الله في الكون كله، من كل صغير وكبير، وكل معلوم ومجهول، وكل جامد متحرك، وكل ما هو حاضر وغيبي في علم الله [إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)] القمر 049 وهذا شامل لجميع مخلوقات الله، فالله خلقها بقضاء سبق به علمه وجرى به قلمه بوقتها ومقدارها، وذلك على الله يسير.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))، قَالَ: ((وَعَرْشُهُ عَلَىَ الْمَاءِ)).
صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، رقم الحديث [16] (2653)
قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له، وقوله: ((وَعَرْشُهُ عَلَىَ الْمَاءِ)) أي قبل خلق السماوات والأرض، والله أعلم. انظر تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم

الرضا والتوكل: الرضا بما قسمه الله لنا يعني الإيمان اليقيني، الراسخ في القلب، والظاهر في العمل، والرضا يظهر في المؤمن عند الرخاء وعند الشدة، وفي كليهما الاختبارات من عند الله، وفي الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَىَ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَىَ مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَمْ يُصبْنِي كَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).
صحيح مسلم، كتاب القدر، باب الأمر بالقوة وترك العجز، رقم الحديث [34] (2664)


والمراد بالقوة عزيمة النفس وقوة التحمل والإصرار والتحدي، وكل ذلك ينبع من إيمانٍ صادق واعي، راقي صافي.
ومع هذه العزيمة يكون التوكل الذي يصدر من اعتقاد كامل بمقادير الله، وتسليم بقضائه مع الأخذ بالأسباب والسعي نحو قضاء الحوائج، فمن هنا يكون التوازن والاعتدال في شأن السير بالأسباب مع التسليم بالقضاء والقدر، فلقد كان الصحابة الكرام يسلكون هذا الطريق المعتدل من حُسن التوكل على الله، مع التسليم بقضائه وقدره [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)] التوبة 051

ولنحذر عدم الرضا بقضاء الله وقدره، ولنحذر الضيق والسخط على مقادير الله وما كتبه لنا [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)] الحج 011 فهناك من الناس من هو ضعيف الإيمان، يرتبط إيمانه بالمصلحة الدنيوية، فإن عاش في رغد وبدون مكاره اطمأنَّ لهذا الإيمان، وإن أصابه مكروه انقلب حاله وارتد عن دينه وبعد عن إيمانه، وهذه هي عبودية المصلحة، وأما المؤمن صحيح العقيدة يعيش مع التسليم بقضاء الله وقدره وما قسمه الله له، وما يفعل ذلك إلا حُباً لله، وإيماناً يقينياً به وباليوم الآخر، وأنها دار القرار دار الراحة والاطمئنان، والسعادة والاستقرار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق