الأربعاء، 6 مايو 2015

حُـــبُّ اللهِ لِـعَــبْــدِهِ




 17 من رجب 1436 هـ     067
حُـــبُّ اللهِ  لِـعَــبْــدِهِ



المسافرون إلى الله والمهاجرون إلى رحمته ورضوانه، ركبوا جناح الخير وسلكوا طريق البر والإحسان حتى وصلوا إلى جَمْعِ الصفاء والنقاء والقلوب البيضاء، قال الله تعالى: [وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)]النساء 069  
ما أجمله من طريق وما أحلاه من سبيل أن نسوق نفوسنا وقلوبنا بصدق وحق إلى حبِّ الله تعالى.

عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلِيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم الحديث [67] (43)، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان
قال بعض السلف: ادَّعى قوم محبة الله، فأنزل الله آية المحنة (والمعنى: اختبار المحبة)، [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ]آل عمران 031، تهذيب مدارج السالكين (منزلة المحبة) صـ515

وهناك أربع علامات ذكرها الله تعالى في كتابه الحكيم تبين "حُبَّ الْعَبْدِ للهِ رَبِّهِ، وَحُبَّ اللهِ لِعَبْدِهِ" أن وفقه لهذه العلامات، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)]المائدة 054
الأولى والثانية: أذلة وأعزة، [أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] أرقاء رحماء متعاطفين مشفقين عليهم، [أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ] لديهم الغيرة والنخوة والشدة لدينهم على أعدائهم أعداء الدين، وقال تعالى: [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]الفتح 029
الثالثة: الجهاد في سبيل الله، [يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ] بالنفس والمال والبدن، والمعنى البسيط أن يكون مع الحق ولا يبتعد عن الحق أبداً.
الرابعة: [وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ]، يُقدِّمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهي علامة صحة حُبِّ العبد لمحبوبه اللهِ ربِّهِ وربِّ العالمين. معاني العلامات مستوحاه من "تهذيب مدارج السالكين" (منزلة المحبة) صـ515، صـ516  



كَيْفَ نَصِلُ إِلى محَبَّةِ اللهِ

ذكر الإمام ابن القيم في كتابه القيم "مدارج السالكين" عشرة أسباب جالبة للمحبة وموجبة لها:


1- قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه والحكمة فيه.
2- التقرب الى الله بالنوافل بعد الفرائض.
3- دوام ذكره على كل حال، باللسان والقلب والعمل، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر لله عزوجل.
4- إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى. (والمعنى: تغليب محبة الله على نداء الهوى والشهوة .. والله أعلم)
5- مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة.
6- مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه، الباطنة والظاهرة، فإنها داعية الى محبته.
7- وهو من أعجبها إنكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.
8- الخلوة به وقت النزول الإلهي (وقت السَّحَر)، لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه.
9- مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقى أطايب الثمر، ولاتتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام ، وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.
10- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عزوجل.
فمن هذه الأسباب العشرة، دخل المحبون إلى منازل المحبة، وانفتحت عين البصيرة لديهم.
وهناك آثار لمحبة الله وشواهد عليها ....
قيل: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب؛؛ وهذا القول يتناول المحبة الصادقة الصحيحة خاصة بخلاف مجرد الميل.
وقيل: استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك، والمعنى: استكثار المعصية وتضخيم شأنها داخل النفس وإن كانت قليلة، وتقليل الطاعة واستضعافها داخل النفس وإن كانت كثيرة. تهذيب مدارج السالكين (منزلة المحبة) صـ512، صـ513



دَلائِلُ حُـــبِّ اللهِ  لِـعَــبْــدِهِ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنّي أُحِبُّ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ)) قَالَ: ((فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَنـــًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ)) قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ؛؛ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلاَنـــًا فَأَبْغِضْهُ)) قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلاَنــــًا فَأَبْغِضُوهُ)) قَالَ: ((فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ)) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده، رقم الحديث [157] (2637)

قال العلماء: محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته وبغضه إرادة عقابه أو شقاوته ونحوه، وحب جبريل والملائكة يحتمل وجهين: أحدهما: استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم. والثاني: أن محبتهم على ظاهرها المعروف من المخلوقين وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه وسبب حبهم إياه كونه مطيعاً لله تعالى محبوباً له، ومعنى يوضع له القبول في الأرض أي الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه فتميل إليه القلوب وترضى عنه. تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم

وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم الحديث 6581
((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ....)) والمعنى أنه لا يسمع الا ذكري ولا يلتذ الا بتلاوة كتابي ولا يأنس الا بمناجاتي ولا ينظر الا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده ورجله الا فيما فيه رضاي، واتفق العلماء ممن يُعتَدُ بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته. فتح الباري في شرح صحيح البخاري
فمن يصل إلى محبة الله وتنال نفسه هذه المنزلة العظيمة، يحيا في رحاب الله، وفي كَنَفِ الله ورعايته وفضله، أن يوفقه الله للخير ويبعده عن كل شر، ويعينه على الطاعات ويحبب إليه الخيرات، ويبعده عن المعاصي ويُبْغِضُ إليه أيَّ سؤ، ويعيش في معية الله.


قال الإمام ابن القيم رحمه الله: رأيت نفسي تأنس بخلطاء نسميهم أصدقاء فبحثت بالتجارِب عنهم، فإذا أكثرُهم حساد على النعم، وأعداء لا يسترون زلة ولا يعرفون لجليس حقًّا، ولا يواسون من مالهم صديقًا،، فتأملتُ الأمرَ.. فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئًا يأنس به، فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها ليكون أُنْسُهُ به. كتاب صيد الخاطر
وقد قال الشاعر:
فَلَيْــــتَكَ تَحْــلُو وَالْحَـــيَاةُ مَــــرِيــرَةٌ    وَلَيْتَــكَ تَرْضَى وَاَلْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِـي وَبَيْــنَكَ عَامِرٌ    وَبَيْـــنِي وَبَيْــنَ الْعَالَمِــينَ خَـــرَابُ
إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوِدُّ فَالْكُلُّ هَيِّنٌ    وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُــرَابُ

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاودَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلِ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمِنِ الْمَاءِ الْبَارِدِ)) رواه الترمذي، كتاب الدعوات

اللَّهُمَّ إِنَّـــا نَسْـــألُكَ حُــبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُـحِـبُّكَ، وَحُبَّ  كُلِّ عَــمَلٍ يُــقَـــرِّ بُــنَــا إِلى حُــبِّــكَ
آمين آمين  يا ربَّ العالمين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق