الثلاثاء، 28 أبريل 2015

الدُّعَاءُ وَيــَـقِينُ الْإِجَابَةِ



مكتبة العلم النافع

9 من رجب 1436 هـ     066

الدُّعَاءُ وَيــَـقِينُ الْإِجَابَةِ



وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي
لك مطلب عند فلان صديقك الغالي سيرحب بك ويقضي لك حاجتك بقدر استطاعته، ولكن اذهب له في مطلب آخر سيبتسم لك ابتسامة صفراء ويعتذر إليك اعتذاراً مبهمـــًا، وهذا وصف مهذب للقبول والرفض عند الطلب من البشر ورد فعل البشر؛؛ والأمر يختلف عند طلب الحاجة من ربِّ البشر، ربِّ كل شيء ومليكه، مالك الملك بيده الأمر كله، فهو الجوَّاد الوهَّاب الكريم سبحانه وتعالى، وقد قال الشاعر في هذا الشأن:
لا تَــــسْــــألَنَّ بُــــنَــــيَّ آَدَمَ حَاجَــــةً    وَسَلِ الْذِي أَبْـــــوَابَــهُ لَا تُحْجَبُ
فَاللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكَتَ سُؤَالَهُ     وَبُنَيُّ آَدَمَ حِينَ يُسْألُ يَغْضَبُ
قال الله تعالى: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]غافر060، وقال تعالى: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ]البقرة 186،  فهناك "دعاء العبادة" تتضمن أداء المسلم لأي عبادة فرضــًا أو نفلاً يتوسل بها إلى الله عز وجل، "ودعاء المسألة" فهو الطلب من الله تعالى مطالب في الدنيا من قضاء الحاجات التي يعنيها العبد كالشفاء من المرض وطلب الرزق ورفع الكربة وقضاء الدين، ومطالب الآخرة كدخول الجنة والنجاة من عذاب النار والثبات في السؤال في القبر والاستعاذة من أنواع الشرور.
وكلا الدعائين "دعاء العبادة ودعاء المسألة" حقٌ خالصٌ لله تعالى لا يكون الا لربِّ العالمين، فمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، فالله تعالى قريب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق، فهو قرب من الله تعالى لعباده الفقراء إليه، الضعفاء والأذلاء بين يديه.
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ

ذكر الله تعالى في كتابه الحكيم في سورة الأنبياء أمثلة لأدعية مختلفة من أنبيائه ورسله، وأنَّ الله تعالى استجاب لدعائهم وحقق لهم مرادهم، ولكن كيف نصل بأنفسنا إلى رحمة الله ورعايته لنا في دعائنا وقضاء حوائجنا كما فعل أنبيائه الكرام وكما يفعل عباده الصالحين، هناك وسائل متعددة وردت في كتاب الله تعالى والأحاديث النبوية الشريفة، سأجتهد في اقتناء بعض المعاني والوسائل في استجابة الدعاء وتحقيق المراد .. والله المستعان.
1- صفاتُ زكريا عليه السلام وزوجته الصالحة من أعمال خالصة لله تعالى وصفاء للقلب، قال الله تعالى: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)]الأنبياء 090، هو التوازن ما بين الإيمان بالله حق الإيمان والعمل الصالح الذي يصدق هذا الإيمان، كانوا لا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلا ويسارعون إليها، ويدعون الله تعالى في رغبة ورجاء ورهبة وخوف، مع الخشوع والخضوع والتذلل لجلال الله وعظيم شأنه سبحانه وتعالى.

2- العَزْمُ في الدُّعاءِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ. وَلاَ يَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّ اللهَ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ)) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب العزم بالدعاء ولا يقل إن شئت، رقم الحديث [7](2678)، صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، [وما تشاؤون إلا أن يشاء الله]الإنسان 030، والمقصد حسن الظن بالله تعالى في الإجابة، ومعنى ((لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ)): أي استحباب الجزم في الطلب وكراهة التعليق على المشيئة، تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم  وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه)) رواه الترمذي، كتاب الدعوات، حديثٌ غريبٌ
 
3- البُعْدُ عَنِ الْحَرَامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيَّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيَّباً. وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: [يَا أَيُّهَا الرَّسُلُ كُلُوا مِنَ الطِّـيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ]المؤمنون 051، وَقَالَ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ]البقرة 172، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك)) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، رقم الحديث [65](1015)

4- دُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، عن أبي أمامة قال: (قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟) قال: ((جَوفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، ودُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)) رواه الترمذي، كتاب الدعوات، حديث حسنٌ

5- دُعَاءُ السُّجُودِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم الحديث [215](482)

6- الدُّعَاءُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، رقم الحديث 1145


7- دَعْوةُ ذِي النُّونِ، عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه سعد (سعد بن أبي وقاص) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قط إلا استجاب الله له)) رواه الترمذي، كتاب الدعوات


8- مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: ((لاَ يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ)) قِيلَ: (يَا رَسُولَ اللهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟) قَالَ: ((يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي ، رقم الحديث [92](2735)

الدعاء وما فيه من حمد وشكر وثناء على جلال الله سبحانه وتعالى، وكذلك الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعد ذلك المناجاة واللجؤ ومخاطبة الله تعالى بما يليق بجلاله، حينما أتعايش مع ذلك باللسان والقلب والنفس والعقل، وحينما أستشعر في كياني كله أني في احتياج إلى الله، وفي افتقار دائم له، حينما أصل بنفسي إلى تلك المرحلة سأجد حلاوة في الدعاء، وسأجد سلواي في الدعاء، وسأجد قلبي يحب الدعاء وينشده كوسيلة وغاية يحيا بها في رحاب الله، وأرتبط به أكثر من المطالب والمقاصد التي أبتغيها وأدعو بها.
حينما تصل بنفسك إلى مرحلة العبودية التامة للمسألة، كن على يقين أنَّ دعاءك سيُستجابُ له ومقصدك سوف يتحقق بإذن الله .. والله أعلم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق