18 من جمادى الأخر 1436 هـ
063
الْحَيَاةُ الدُّنْيَـا
أَم الجَنَّةُ
نحلم بالراحة
الجميلة والحياة السعيدة، الأمن والأمان، الحب والسعادة، المال والبنين، العمل ذي
العائد الوفير الذي يساعد على حياة مترفة وتوفير جيد في حساب في البنك، العقار
الفخم والسيارة الفارهة ... أحلام وأحلام وأحلام ولكن هذه الأحلام في حياتنا
الدنيا، أحلام في حياة عابرة غير مستقرة حياة فانية غير أبدية.
هناك فروق أساسية
بين الحياة في الدنيا والحياة في نعيم الجنة، فروق توضح لنا ماذا تعني الراحة في
الدنيا، وماذا تعني الراحة في الجنة ونعيم الجنة.
فروق مستخرجة من
آيات الله في كتابه الحكيم، وأحاديث نبوية شريفة من الصحيحين (البخاري ومسلم).
مَـتَـاعُ الْغُــرُورْ
قال الله تعالى: [وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)]آل عمران 185، ويخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها
وغاية أهلها ومبتغاهم مع اختلاف القلوب والأعمال، قال الله تعالى:[اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ]الحديد 020،
[لَعِبٌ] في الأبدان [وَلَهْوٌ] في القلوب والنفوس وهذا وصف لأهل الغفلة [وَزِينَةٌ] في اللباس والطعام والشراب والحساب في البنك والسيارات والعمارات
والقصور والجاه والسُّلطة، [وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ] في هذه الإمكانيات المبتغاه والأهداف المطلوبة، [وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ] حتى يزداد المرء منهم قوة في حياته الدنيا وتفاخرًا وتباهيـــًا
بين الخَلْقِ.
بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها مَعْبَرًا ولم يجعلها مُسْتَـقَرًا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله إلى الله، وإذا رأى من يكاثره وينافسه بالأموال والأولاد نافسه بالأعمال الصالحة.تفسير السعدي
وهكذا الدنيا تصبح خضراء زاهية زاهرة لها مرأى أنيق في نظر صاحبها، إلا أنها تصبح يابسة كأن لم تكن إذا أصابها القدر أو رحل صاحبها عنها صفر اليدين ولم يبق معه إلا عمله [كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ]الحديد 020، فهو متاع فاني لا قيمة له أمام نعيم الجنة ودار القرار، لا يغتر به ويطمئن إليه إلا أهل القلوب الضعيفة الذين يغرهم بالله الغرور، [وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)]الحديد 020، ولا نغفل عن أنَّ هذا المتاع الفاني يصاحبه المشقة والصعاب والضيق والكدر [لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)]البلد 004، والمستقر النافع والراحة التامة مع تمام النعيم نلمسه في الجنة بإذن الله [أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)]الفرقان 024
لا غِـلّ
لا حَـزَنْ لا نَصَـبْ لا لُغُـوبْ
لا غِـلّ والغِلُّ داء ووباء داخل النفوس البشرية على الأرض، ويشمل الحقد
والحسد والكراهية والضيق والضجر في العلاقات الإجتماعية والمعاملات الحياتية،
ولكنَّ الله تعالى ينزعها من صدور أهل الجنة ليعيشوا سويــًا في ود وحب وتاخي [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ]الأعراف 043، [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى
سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)]الحجر 047
لا حَـزَنْ وهو الحُزْنُ الذي يأتي إلينا في الحياة والمعيشة بشتى صوره
وأشكاله، ومن وسائل وطرق متعددة ومتنوعة، ولكن في الجنة ونعيمها أذهب اللهُ الحَزَنَ
عن أهل الجنة [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)]فاطر 034
لا نَصَـبْ والنَصَب هو التعب في الأبدان أو القلوب أو النفوس أو الصدور وما
يترتب عليه من أمراض نفسية وبدنية [الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا
يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ]فاطر 035
لا لُغُـوبْ والْلُغُوب هو الهم والغم والعناء والإعياء [وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)]فاطر 035
لا لَغْو والْلَغْو هو الكلام غير القيم لا فائدة فيه [لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا] مريم062، فلا يسمعون فيها شتمـًا ولا عيبـًا، ولا قولاً فيه معصية لله أو قولاً مكدرا، ولا يسمعون إلا الأقوال السالمة من كل عيب، من ذكر لله وتحية وكلام سرور، وبشارة ومطارحة الأحاديث الحسنة بين الإخوان، وسماع خطاب الرحمن، والأصوات الشجية من الحور والملائكة والولدان، والنغمات المطربة والألفاظ الرخيمة، لأن الدار دار السلام فليس فيها إلا السلام التام في جميع الوجوه تفسير السعدي، [لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)]الواقعة 026،025، [لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35)]النبأ 035
قُرَّةُ أَعْيُنٍ
وقرة
أعين تعني ما تقر وتسعد به الأعين من نعيم في الجنة وفرح وسرور ولذات ومتاع أبدي يصفه
رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((قَالَ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ،
وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَىَ قَلْبِ بَشَرٍ)) مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي
كِتَابِ اللهِ: [فَلاَ
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ]السجدة 017، صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم الحديث [2](2824)،
صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: [فلا
تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين]
وكذلك
اختلاف في الحياة الدنيا والجنة تتمثل في الأكل والشرب ومخرجات الجسم بأشكاله
المختلفة، والأعمال التعبدية لا تكون كتكليف مثل العبادة في الحياة الدنيا وإنما
تكون عبادة بالفطرة كإلهام للبدن والنفس والقلب من عند الله تعالى بالتسبيح
والتهليل كما في الحديث الشريف، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ
فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا
يَتَمَخِطُونَ)) قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: ((جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ
الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ)) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة ونعيمها،
وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا رقم الحديث [18](2835)
أمان .. استقرار .. حياة أبدية
الأمان
الحقيقي والاستقرار في النعيم الخالد، فلا أمراض ولا أسقام ولا علل ولا بؤس ولا
كآبة، ولا موت وإنما هي حياة أبدية تأتي على أهل الجنة بالراحة والسعادة في نعيم
مقيم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ
تَسْقَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَداً، وَإِنَّ
لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا
فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَداً)) فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: [وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ]الأعراف 007، صحيح مسلم، كتاب
الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، وقوله تعالى: [ونودوا أن
تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون] رقم الحديث [22](2837)
وَعَنِ
ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا صَارَ أَهْلُ
الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ
حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ:
يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ
أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحَـــًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنَـــًا
إِلَى حُزْنِهِمْ)) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة
الجنة والنار، رقم الحديث 6548
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ
قال
الله تعالى:[وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)]التوبة 072
فإنَّ نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه
الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرضا رب الأرض
والسماوات أكبر من نعيم الجنات تفسير السعدي
وَعَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ
اللهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ
رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَىَ يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ
تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ
ذَلِكَ؟، فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟،
فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ
أَبَداً)) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها
وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم أبدا، رقم الحديث
[9](2829)، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار
لأنَّ
رضاه سبب كل فوز وسعادة وكل من علم ان سيده راض عنه كان أقر لعينه وأطيب لقلبه من
كل نعيم لما في ذلك من التعظيم والتكريم
فتح الباري في شرح
صحيح البخاري
ذكرتُ
في أول المدونة أحلام داخل نفوسنا وقلوبنا وعقولنا، ولكن بعد معرفة النعيم الخالد
وحقيقته فلا تكون هذه الأحلام هي الهدف المبتغى في حياتنا، وإنما يكون حلمــًا عابراً إن
أتى منه شيء فنحمد الله ونشكره، ويكون الهدف الحقيقي في حياتنا هو الوصول إلى رضا
الله ورحمته ومغفرته ودخول الجنة بسلام وأمان بإذن الله، وذلك سيساعدنا على أداء
الفروض والسنن والنوافل، والتقرب إلى الله بالصدقات والذكر والصيام والخُلُقِ الحَسَن
وطِيب الكلام تقربـــًا إلى الله تعالى لنيل رضاه ورحمته، والعيش بحياة خالدة في
نعيم مقيم .. واللهُ أعلم.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق