مكتبة العلم
النافع
26 من جمادى الآخر 1436 هـ
064
المجتمع الراقي في الإسلام
الصحابة الكرام
رضوان الله عليهم وأوائل التابعين كانوا في انشغال دائم بالتفكر والتدبر في معاني
الآيات، ومن هذه الآيات قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا
يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ]المائدة 105، فالآية الكريمة تتحدث عن إصلاح المجتمع المسلم والتعاون بين
أفراده للإرتقاء بأنفسهم في سبيل الله وعلى صراطه المستقيم، وإنما يكون ذلك
بالتناصح والتعايش والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والآية الكريمة تحث
المجتمع المسلم على الترابط والتعارف والتآلف وهذا في قوله تعالى [عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ]، فلا توجد إنعزالية أو انطوائية أو انغلاق فردي، إنما هناك تماسك
وترابط يقوم على السلوك الحسن النابع من العقيدة السليمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ،
وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ))
صحيح
مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة، رقم الحديث [159](2638)
هذا الترابط
والتعارف والائتلاف المفقود في أيامنا هذه، أخذ المجتمع المسلم إلى الرقي والتقدم
والتحضر ككيان مجتمعي قويم عاش وتعايش مع مجتمعات أخرى، نشر بينهم الخُلُق الحسن
والسلوك القويم وهداهم بإذن الله إلى الصراط المستقيم، إنَّ الرُّقي الإجتماعي في
الإسلام يقوم على الترابط العقائدي كأساس ثابت، وينشأ من خلال أركان مختلفة نابعه
من إرشاد حكيم في آيات الله تعالى وسنة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الأخوة
الأُخوة من أهم أسس الرُّقي المجتمعي، وهو أساس أكرمنا الله تعالى به
حينما هدانا إلى صراطه المستقيم ومنَّ علينا بنعمة الإسلام [فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَانًا]آل عمران 103، التآلف بين القلوب لا نجده بين أهل الكتاب بعضهم البعض، وإن
كانوا في ظاهرهم متماسكين متلاحمين، وذلك في قوله تعالى: [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)]الحشر 014
[إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]الحجرات 010، وهذه الأخوة تعني الترابط القلبي النفسي الحسي بين المسلمين
في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الأمر نلمسه ونستشعره عند اللقاء مع جنسيات مختلفة
من المسلمين في بيت الله الحرام والمسجد النبوي المبارك، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يوضح الآداب النفسية والسلوكية للمشاعر الإنسانية تجاه الأخوة الإيمانية في
حديثه الشريف.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا
وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ
اللهِ إِخْوَانــًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ
وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوى هَا هُنَا)) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَاتٍ
((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ
عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))
صحيح
مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه
وماله، رقم الحديث [32](2564)
الحب الوئام السلام
والحب في الله
لإخيك المؤمن دليل على صدق الإيمان
وثبات العقيدة وعدم
اتباع الهوى عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ
الإِيمَانِ، مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُود
فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ
فِي النَّارِ))متفق
عليه، رواه البخاري ومسلم
وَعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ
عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟، أَفْشُوا السَّلاَمَ بَينَكُمْ))
صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا
المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها رقم
الحديث [93](54)
والسلام فيه رياضة للنفس
ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين، وفيه لطيفة أخرى أنه يتضمن رفع التقاطع
والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة. شرح الإمام النووي
لصحيح مسلم
التعاون
والتكافل
التعاون
والتكافل الجانب العملي
للرُّقي الإجتماعي، [وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]المائدة 002، أي: ليعن بعضكم
بعضا على البر، وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة
والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين، والتقوى
في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال
الظاهرة والباطنة، وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر
المأمور بتركها تفسير السعدي
فالتعاون في مجال
الخير والصلاح وكل ما فيه منافع عامة يخدم المجتمع، ويساهم في تقويته وفاعليته
وحيويته، والعقيدة السليمة تساهم في تفعيل التعاون والتكافل والتراحم والملاطفة
وتعظيم حقوق الآخرين، وتجعل المجتمع المسلم كنسيج واحد، وبنيان واحد، وكرجل واحد
كما في الأحاديث النبوية الشريفة.
عَنْ أَبِي مُوسَىَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً))
صحيح
مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم رقم الحديث [65](2585)، وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم: ((الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَىَ عَيْنُهُ
اشْتَكَىَ كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَىَ رَأْسُهُ اشْتَكَىَ كُلُّهُ))
صحيح
مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم رقم الحديث
[67م](2586)
العدل
العدل هو المناخ العام للمجتمع، فإن كان عدلاً في المجتمع تجده
راقيـــًا في معيشته وفي نظام حياته، قال الله تعالى: [اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]المائدة 008
والعدل نوعان،، عدلٌ عام،
يتعلق بعدل الحاكم وسياسة الحكم ويظهر في شكل التنمية والبناء في المجتمع،
والإرتقاء به في جوانب الإقتصاد والتعليم والصحة والتنمية الثقافية والفكرية بين
أفراد المجتمع، وهو العدل الذي يقوم على أساسه الصلاح والإصلاح بين الناس، وإن لم
يتوفر هذا العدل يكن التأثير شديد السلبية على الرُّقي المجتمعي، فيتحول المجتمع
إلى مجتمع متخلف رجعي لا قيمة له، وظلم الحاكم هو السبب الرئيسي في ذلك التخلف،
يقول ابن خلدون في كتابه "المقدمة" إذا ظلم الحاكم انتشر الفساد بين الناس.
عدلٌ خاص، يتعلق بعدل أفراد المجتمع فيما بينهم، قال الله تعالى: [وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)]الحجرات 009، وَعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ سُلَامَى
مِنَ النَّاسِ عَلِيهِ صَدَقَةٌ، كُلُّ يَومٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ
بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ)) صحيح البخاري، كتاب
الصلح، باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم، ولكن التأثير السلبي على ظلم سياسة الحكم في المجتمع يتمثل في
سعى كل فرد من المجتمع نحو مصلحته الشخصية على حساب حقوق الآخرين إلا من رحم الله
الذين هداهم الله تعالى إلى الحق، أصحاب القلوب السليمة الذين يسعون إلى رحمة الله
تعالى ورضاه عنهم.
نسأل الله أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يولي أمورنا خيارنا الذين يحكمون بالعدل بين الناس، وأن يَمُنَّ على مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالإرتقاء والرُّقي في العالم كله كما كانوا من قبل، قال الله تعالى: [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)]النحل 090



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق