12 من جمادى الآخر 1436 هـ
061
قصة في آية
مِيزَانُ الْعَدْلِ وَالْقِسْطِ
قصة من آيات الله تعالى
في كتابه الحكيم فيها العدل والإنصاف، فيها ترسيخ لهذا المبدأ الراقي العظيم، وهو
"مبدأ الميزان العدل والقسط"، يُروى
أنَّ رجلاً من الأنصار يقال له: "طُعْمَة بن أُبَيْرِق"
من بني "ظفر بن الحارث" سرق درعـــًا من جار له مسلم يقال له:
"قتادة بن النعمان"، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق
ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل
من اليهود يُقالُ له: "زيد بن السمين"، فالتُمِسَتِ الدرع عند "طُعْمَة"
فحلف بالله ما أخذها، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق في داخل داره فلما
حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي، فوجدوا الدرع عنده، فقال
اليهودي: دفعها إليَّ طُعْمَة بن أُبَيْرِق!! فجاء بنو ظفر – وهم قوم طُعْمَة
– إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، فهَمَّ رسول الله
أن يعاقب اليهودي، فأنزل الله هذه الآيات أسباب نزول القرآن لأبي الحسن الواحدي النيسابوري
[إِنَّا أَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ
وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ
اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ
بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ
عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ
وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)]النساء 112:105
رغم أنَّ المتهم كان
يهوديـــًا ومن قومٍ أشد عداء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أنَّ الله تعالى
برَّأه من سبع سموات حينما تآمرت عليه عصبة من المسلمين لتوقع الإتهام عليه في
سرقة الدرع، قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)]المائدة 008، [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآَنُ قَوْمٍ] أي: ولا يحملنَّكم بغض قوم.
وفي ذلك دروس وعبر
وموعظة لتنشئة مجتمع راقي فريد، غير متبع للهوى والعصبية الجاهلية، وإنما يكون
مجتمعــــًا راقيـــًا قائمـــًا على ميزان العدل والقسط لا يتبع الميول والأهواء
والشهوات [وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)]الأنفال 002
ودرس نتعلمه على المستوى
الفردي يتمثل في عدم اتباع الهوى واستخدام القدرات الشخصية غير الصحيحة من جدال
وخصام لاغتصاب حقوق الآخرين والتعدي عليها، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ أَبْغَضَ
الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الْأَلَدُّ(1) الْخَصِمُ(2))) صحيح
البخاري؛ كتاب المظالم والغصب؛ باب قول الله تعالى وهو ألد الخصام رقم الحديث 2457
(1)الألدُّ:
الْخَصِم الْجَدِل، من فعل (لَدَّ) أي اشتدت خصومته المعجم الوجيز صـ554
(2)الخَصِم:
الماهر في الخصومة وإن لم يخاصم، من فعل (خَصِمَ) أي أحكم الخصومة المصدر السابق صـ199، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع
حق أو إثبات باطل والله أعلم شرح
الإمام النووي لصحيح مسلم
وَعَنْ
أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم عَنْ
رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سَمِعَ
خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:
((إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ
أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ
بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ
النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا)) صحيح البخاري؛ كتاب المظالم والغصب، باب
من خاصم في باطل وهو يعلمه رقم الحديث 2458
لقد ظهرت في أيامنا هذه
وسائل متعددة لاغتصاب حقوق الآخرين وظلم بعضنا لبعض عن طريق القوانين البشرية
القاصرة الضعيفة الركيكة، واعتبار ذلك شطارة وكفاءة وأنَّ الدولة هي التي أعطتنا
هذه الحقوق، دون الأخذ في الاعتبار أنها أمانات أمرنا الله تعالى أن نؤديها إلى أهلها
[إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَــاـنَــاـتِ إِلَى أَهْلِهَا
وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ
نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)]النساء 058


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق