السبت، 28 مارس 2015

أَنْـــتُمُ الْفُـقَـرَاءُ إِلَى اللهِ




8 من جمادى الآخر 1436 هـ     060

أَنْـــتُمُ الْفُـقَـرَاءُ إِلَى اللهِ



هي الحقيقة التي يعيش فيها الإنسان منذ خلقه الله تعالى وأوجده على الأرض، سواء وعى ذلك أم لم يعِ، فهم ذلك أم لم يفهم، أدرك ذلك أم لم يدرك، هو الافتقار إلى الله والإحتياج إليه في جميع الحركات والسكنات، في جميع الجوانب والشئون، فالإنسان مفتقر إلى الله دائمــــًا وأبدا شاء أم أبى، علم أو لم يعلم، أحبَّ أم كره، مفتقرٌ إليه وهو غنيٌ حميد، فالفقر في الإنسان إلى الله صفةٌ ذاتيةٌ أصيلة، والغنى في الله عزَّ وجل صفةٌ ذاتية أصيلة.

[يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)]فاطر 015

قال العلماء: فقر العباد إلى الله فقرٌ ذاتيٌ أصيل، لا ينفكُّ عنهم أبداً، وأن يكون الله غنياً حميداً هذا وصفٌ ذاتيٌ له لا لأمرٍ أوجبه، أي الأصل أنَّ العباد مفتقرون إلى الله لا لسببٍ طارئ ولا لعلةٍ ولا لتكليفٍ، هذه حقيقةٌ أصيلةٌ في كيانهم، والله عزَّ وجل غنيٌ حميد في ذاته، هذا الوصف ذاتيٌ له لا لأمرٍ أوجبه أو لعلةٍ أخرى.

التفكر والتأمل والتدبر أنَّ كل ما هو موجود في خَلْقِ الله، إنما هو من عند الله أوجده في خَلْقِه في ظاهرهم وباطنهم، في كيانهم وكينونتهم، ومثال ذلك الرحمة فهل الإنسان والمخلوقات أوجدوها في نفوسهم وداخلهم وفي باطنهم أم هي من عند الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلاَئِقُ حَتَّىَ تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة اللهِ تعالى، وأنها سبقت غضبه، رقم الحديث [17](2752)

إنَّ التمرد على الفقر لله علة عظيمة تأخذ صاحبها إلى الكبر والغرور، وهذا الوباء أصاب فرعون وقارون والنمرود حتى أخذهم إلى الكبر على جلال الله وعظيم شأنه [أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)]الزمر 060
والعلة التي قد تأتي إلى النفس المسلمة وتصيب الفقر إلى الله والاحتياج إليه أن يفرح المرء بإمكانياته وقدراته التي أكرمه الله به، والإفراط في النظر إلى الأسباب المتاحة لديه والإمكانيات المتواجدة بين يديه، وكأنَّه كإنسان أوجد لنفسه إمكانياته العقلية والبدنية وقدراته المتميزة ومواهبه الشخصية.

وعلاج ذلك يأتي بتفعيل الإحتياج والإفتقار إلى الله كواقع عملي في حياتنا، وأول هذه الخطوات طرد حب الذات والزهو بالطبيعة الشخصية والنرجسية داخل نفوسنا، وإشعار النفس بالضعف والوهن وعدم المقدرة أمام جلال الله مالك الملك وهذا يتمثل في عبادات وخلق وسلوك، وثاني هذه الخطوات اللجؤ الدائم المستمر إلى الله في كل كبيرة وصغيرة من الاحتياجات والمتطلبات الحياتية كما ورد في الحديث الشريف، عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((من كانت له حاجة إلى الله أو أحد من خلقه فليتوضأ وليصل ركعتين، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهمَّ إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، أسألك ألا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا همَّا إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها لي، ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه يقدر)) حديث ضعيف، وقالوا: حديث غريب في إسناده، رواه الترمذي وابن ماجه   


إنَّ الفقر إلى الله والاحتياج إليه حقيقة واقعية على الإنسان واختبار من ضمن الاختبارات المكفولة عليه، نجح فيه وتميز شعيبٌ عليه السلام وغيره من أنبياء الله ورسله حتى يكونوا مناراً وقدوة للناس أجمعين فيما أخبر الله على لسان شعيب في كتابه الحكيم: [وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)]هود 088، ورسب فيه قارون وفشل فشلاً ذريعـــًا كغيره من المكذِّبين المتكبرين، وذلك في قوله تعالى: [قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي]القصص 078، فالأولى أن نتخذ أنبياء الله ورسله مثلاً وقدوة لنا في حياتنا، وأن نتفهم أننا في احتياج دائم إلى الله لأننا فقراء إليه، وهو سبحانه الغني الحميد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق