الأربعاء، 18 مارس 2015

الهَمُّ وَالغَمُّ وَالحَزَنْ




27 من جمادى الأول 1436 هـ     058

الهَمُّ وَالغَمُّ وَالحَزَنْ




يُحْكَى أنَّ ...
كانت قرية يحمل أهلها كثيراً من الْهَمِّ، ويرفعون دائمــًا شعارات الْغَمِّ والْحُزنِ، وشتى أصناف الكآبة
وفي يوم نادى منادٍ: يا أهل القرية .. يا أهل القرية،، كل واحد منكم يحمل هَمَّهُ ويأتي به إلينا خلال يومين
فسعد أهل القرية بذلك، وأخذ كل واحد منهم يقوم بتجهيز هَمِّهِ وتنسيقه ويذهب مسرعــًا إلى المنادي
ويقول المنادي لكل واحد منهم: ضع هَمَّكَ في هذا الصندوق الكبير، واتركه وانصرف ثم انتظر
ومرت ثلاثة أيام ثم جاء المنادي؛؛
ونادى في أهل القرية: يا أهل القرية .. يا أهل القرية،، اذهبوا وتجمَّعوا عند الصندوق الكبير
فذهب أهل القرية مسرعين في حماس شديد وتجمَّعوا عند الصندوق الكبير في إنتظار الحل لِهَمِّهِمْ وَغَمِّهِمْ وَمَشَاكِلِهِمْ
وعند اكتمال قدوم أهل القرية وتجمعهم عند الصندوق الكبير !!
قال لهم المنادي: كل واحد منكم يذهب إلى الصندوق ويختار الْهَمَّ الذي يريده ويراه مناسبــًا له، ويرجع إلى بيته.
فأخذ كل واحد منهم يبحث في الصندوق ويرى ويقلب وينقب في الْهُمُومِ حتى يختار الْهَمَّ المناسب له
ولكن .. في نهاية البحث والفحص اختار كل واحد منهم هَمَّهُ وأخذه إلى بيته، وهو متأكد برؤية عملية ومقارنة فعلية أن هَمَّهُ أخف الْهُمُومِ على نفسه وأسهلها في حياته.

هناك نوع من الناس إن لم يجد هَمَّــــًا في يومه، يذهب إلى بائع العطارة ويشتري منه بودرة هَمٍّ مخلوطة بالتحابيش من شطا وبُهَارات غَمٍّ وَنَكَدٍ، ثم يقوم بإذابتها في الماء المغلي مع نصف معلقة سكر ويشربها على مراحل ليكتسب الهَمَّ المنشود.
والمقصد أننا نأتي بالهَمِّ لأنفسنا، وكل ذلك ينشأ من التفكير السلبي وهو عبارة عن هاجس من الأفكار المتواصلة التي تسيطر على عقل وتفكير الإنسان والتي تمتاز بصفة التشاؤمية، مع العلم بأن هذه الأفكار السلبية التي تسيطر على الإنسان مصدرها الإنسان نفسه، أي أنها ليست حقيقة وإنما من واقع الوهم والخيال أو تضخيم للأحداث الصغيرة داخل عقله الباطن، على عكس الإنسان المتفائل الذي ينظر إلى الحياة من منظور معاكس تماماً.

قد توجد المشاكل الحقيقية في حياتنا ولكن في الغالب لا تحتاج إلى التهويل داخل نفوسنا وعقولنا وأحوالنا مهما كانت ومهما كان الصعاب فيها، وكل شيء يهون عند اللجؤ إلى الله بحق وصدق وإخلاص، فإذا لجأنا إلى الله بكل كياننا من قلب وعقل ونفس وبدن في الصلاة والدعاء والمناجاة سيتحول همٌّ كالجليد إلى ماء عذب نقي، وسيتحول همٌّ كالجبل إلى رمال باردة، وسيتحول همٌ من نار إلى رماد منطفىء ساكن.
  
 وكل واحد منا يرغب ويجد سلواه في قراءة سورة يوسف ويتعايش مع قصة يعقوب مع أبنائه، وهي قصة نلمس فيها فقدان الثقة من يعقوب عليه السلام لأبنائه وذلك حينما أخبروه أنهم فقدوا أخاهم بنيامين في مصر [قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)]يوسف 083، وعدم الثقة فيهم وإن لم يكذبوا عليه في تلك المرة نشأ من نظرته إلى غدرهم بأخيهم يوسف وإبعاده عنه وهو أقربهم إلى قلبه، وكما يقول المَثَلُ "مَنْ يَكْذِبْ عَليكَ مَرْة لَا تُصَدِّقْهُ بِالْمَرْة"، ويعقوب عليه السلام حمل شكواه إلى الله وابيضت عيناه ولكن عند البكاء إلى الله ومناجاة الله تعالى ربِّ كلِّ شىءٍ ومليكه [قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)]يوسف 086   
ومن أفضل الوسائل للقضاء على الهَمِّ اليومي والضيق اللحظي قول الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي طَلْحَةَ: ((الْتَمِسْ لَنَا غُلَامَــــًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي))، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ...)) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال، رقم الحديث 6363
وعن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإِذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: ((يا أبا أمامة، ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟)) قال: (همومٌ لزمتني وديونٌ يارسول الله)، قال: ((أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟)) قال: (بلى يارسول الله)، قال: ((قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وأعوذ بك من غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ))، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي، وقضى عني ديني سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في الإستعاذة

وقال عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أصاب مسلما قط هم ولا حزن، فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي في يدك ماض في حكمك عدل في قضاءك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا))، قالوا: (يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات)، قال: ((بلى ينبغي لمن سمعهنَّ أن يتعلمهنَّ)) مستدرك الحاكم، هذا حديث صحيح على شرط مسلم

وكذلك من الوسائل العملية للقضاء على الهَمِّ تحويل التفكير السلبي إلى تفكير إيجابي عملي ليس له أي علاقة بالموضوع الذي أفكر فيه تفكيراً سلبيـــًا، ويكون ذلك بنقل العقل إلى شيء آخر بعيداً عن الهموم التي تأتي على النفس بالضيق والضجر، وتأتي على البدن بالأمراض والعلل (وأكثر هذه الأمراض الصداع والقولون العصبي والضغط والسكر)، وعلى صاحب الشأن البحث والتحري عن التفكير السلبي ووسائل التخلص منه، والوصول بالنفس والقلب والعقل إلى الاستقرار والاطمئنان والسكينة،، وهذه المدونة باب بسيط لفتح الذهن عن ذلك الأمر .. والله المستعان في كل وقت وحين [ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)]الشورى 010.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق