مكتبة العلم
النافع
25 من جمادى الأولى 1436 هـ
057
الـظَّـنُّ والْأَمَـانِي
يوجد
اثنان من المعاني يحملان أهمية كبيرة في تفهم الحقائق الإيمانية، وهذا الفهم
يساعدنا على حسن توظيف الإيمان وجني ثماره الطيبة في الدنيا والآخرة بإذن الله.
المعنى
الأول (الـظَّـنُّ): الظَّنُّ في اللغة: من فعل (ظَنَّ) الشيء: عَلِمَهُ بغير يقين،
(والظَّنُّ): إدراك الذِّهن الشيء مع ترجيحه المعجم الوجيز صـ401
فمعنى
الظَّنِّ في اللغة يتوافق مع ما هو شائع
بين الناس أنَّ الظَّنَّ فيه جانب من الشك وعدم اليقين، وهذا الظَّنَّ هو ما جاء
عنه نهي في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: [يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إِثْمٌ]الحجرات 012، فالنهي عن الظَّنِّ الخالي من الحقيقة والقرينة كظَنِّ السؤ، والذي
ينبني عليه ما لا ينبغي من القول أو الفعل.
ولكن
.. هل تعلم أنَّ الظَّنَّ عند المؤمنين له معنى مختلف !؟
ورد
الظَّنُّ عند المؤمنين في أكثر من ءاية، قال الله تعالى: [الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ
إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)]البقرة 046، وقال تعالى: [قَالَ الَّذِينَ
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)]البقرة 249، [يَظُنُّونَ] بمعنى يوقنون، "فَالظَّنُّ" عند المؤمنين والذي
ورد في الآيتين يعني "اليقين"، يقينٌ ينبع من إيمان راسخ بلقاء الله والبعث
والحساب، وقال تعالى: [فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ
هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)]الحاقة 020،019، فهذا قول المؤمن حينما يؤتى كتابه بيمينه، إني أيقنت في الدنيا
أنَّ هناك البعث والحساب، وهذا ما أوصلني إلى هذا الحال من استعداد بالعمل الصالح
والعزم على ذلك.
المعنى
الثاني (الْأَمَانِيُّ): الأَمانِيُّ في اللغة
جمع الأُمْنِيَّةُ: وتعني البُغْية والمطلب، والرغبةٌ
المرجوَّة ، وهو ما يتمنَّاه الإنسانُ ويشتهيه.
معجم المعاني الجامع
والأماني
في الغالب أحلام في النفس ورغبات مرجوة وتمنيات مبتغاه، وكل ذلك يصاحبه التخيلات
وأحلام اليقظة، والعيش داخل عالم جديد وحلم بعيد ووهم سعيد، ولذلك قال أمير
الشعراء أحمد شوقي:
وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَمَنِّي وَلَكِنْ تُؤخَذُ الدُّنْـيَـا غِلَابَا
ولكن
الدين ليس بالتحلي أو التمني، وليس كُلُّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، قال الله تعالى: [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)]النساء 124،123،
فالعبرة بطاعة الله والسعي نحو رحمة الله ورضوانه.
وهناك
تصوير للأماني عند اليهود وهم يبيعون دينهم ويشترون الحياة الدنيا، ويتوهمون في
نفوسهم بالأماني الكاذبة بأنَّ الله تعالى سيغفر لهم، قال الله تعالى: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ
عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ
مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ]الأعراف 169
وكذلك
يبين الله تعالى في كتابه الحكيم حال المنافقين يوم القيامة وعند الصراط، فإذا رأى
المنافقون نور المؤمنين يمشون به وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين، قال
الله تعالى: [يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ
نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ
اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (14)]الحديد 014، فالمنافقون في عقيدتهم عاشوا في حياتهم الدنيا في وهم الأماني
رغم عدائهم الشديد لدين الله وبغضهم للحق، ولكنهم أوهموا أنفسهم أنهم كانوا من
المسلمين، واستمر هذا الوهم معهم إلى أن وصلوا إلى الصراط، فظهر لهم أنهم كانوا في
وهم يتعلق بالظاهر والقشرة الخارجية، ولكن عند الحساب يتعلق الأمر بالباطن المفقود
لديهم والذي يتمثل في الإيمان السوي والإخلاص لله تعالى مع العمل الصالح.
إنَّ
الظَّنَّ عند المؤمنين يقين يسيرون به في أعمالهم الصالحة، والأماني غفلة ووهم
يطلبه أصحاب القلوب الميتة الفرحون بميتة قلوبهم، فنحن كمؤمنين بالله تعالى حق
الإيمان، فالأولى أن نحيا بالظَّنِّ الحسن واليقين في إيماننا، ونبتعد عن وهم
الأماني وغفلتها، ونعيش ونتعايش مع الحديث القدسي عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَقُولُ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي،
إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ
ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً
تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ
مِنْهُ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) صحيح مسلم، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، رقم الحديث [2] (2675)،
صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: [وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ]
فالظَّنُّ
المذكور في الحديث الشريف هو ظَنُّ اليقين الذي يصاحبه العمل الصالح، والمراد من
المعنى الرجاء المأمول عند المؤمن، الرجاء النابع من العمل الصالح ووسائل التقرب إلى الله، والله تعالى يعطي للمؤمن أكثر وأكثر من يقينه ورجائه، قال القرطبي رحمه الله: قيل معنى ((ظَنِّ عَبْدِي بِي))
ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن
المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكـــًا بصادق وعده فتح الباري في شرح صحيح البخاري



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق