الخميس، 12 مارس 2015

وَجَـعَـلَ بَـيْـنَـكُـمْ مَــوَدَّةً وَرَحْـمَـةً



مكتبة العلم النافع

21 من جمادى الأول 1436 هـ     055

وَجَـعَـلَ بَـيْـنَـكُـمْ مَــوَدَّةً وَرَحْـمَـةً




الائتلاف والتراحم والاطمئنان والسكن بين الرجل والمرأة، وتلاقي القلوب بينهما بالحب والود وحسن العشرة هي أحاسيس ومشاعر جعلها الله بين آدم وحواء وذريتهما راحة للجسم والقلب واستقرارًا للحياة، قال تعالى: [وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)]الروم 021

وحتى عهد قريب كان السائد في المجتمع المسلم المودة والرحمة والحب والرفق بين الزوجين رغم أنَّ التعليم لم يكن منتشراً كما هو الآن، ولم يحملوا شهادات عليا أو دراسات أكاديمية، إلا أنه كانت الفطرة السليمة داخل قلوبهم ونفوسهم وفي علاقاتهم، والأعراف المتناسقة مع الفطرة السليمة والنابعة من الدين تسود بينهم، ومن خلال معرفة اجتماعية راقية كانت الزوجة تفهم دورها وتستوعب واجبها وتؤدي ما عليها، وكان الزوج يفهم دوره ويستوعب واجبه ويؤدي ما عليه.

أما الآن حينما زادت الدراسات والشهادات والتقنيات الحديثة ظهرت الأسقام والعلل النفسية القلبية التي لم تكن من قبل في المجتمع المسلم، والعيب ليس في الدراسات أو التقنيات الحديثة ولكنَّ العيب في العقول والنفوس والقلوب الحديثة، فلقد ظهرت في المجتمع المسلم مع المودة والرحمة بين الزوجين صفات غير مألوفة ولا متناسقة مع الفطرة السليمة منها المنافسة والنِّدية، الضيق والنكد، الضجر وعدم التحمل وغير ذلك كثير ومتعدد، وفي هذه المدونة البسيطة أحاول بقدر الإمكان توضيح المودة والرحمة بين الزوجين في كتاب الله والأحاديث النبوية الشريفة ... والله المستعان

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة تكون في السكن والراحة والهدؤ والطمأنينة المتناسق مع الفطرة البشرية، والطبيعة الإنسانية [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا]الأعراف 189، فآدم عليه السلام كان في احتياج للأنس والونس والرفيق الذي يرتاح إليه ويطمئن في صحبته ويرافقه على دربه، ورغم اختلاف الجنس إلا أنه هناك تلاقي وتجانس جعله الله في الحقيقة البشرية، ويظهر في احتياج نفسي وقلبي وعقلي وتآلف وتعايش بينهما.

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة من بعد السكن والراحة والاستراحة والطمأنينة تأتي مع المسئولية والجدية والعمل على حسن إدارة مملكة الزوجين، وجعل الله المسئولية الرئيسية على الرجل في طبيعته وخلْقه، قال تعالى: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ]النساء 034، وهذه القِوَامَةُ المذكورة في الآية الكريمة تكليف للرجل وليس بتشريف له، فالله تعالى خصَّ الرجل بالعقل وقوة التحمل وخشونة في البدن ليتحمل تلك المسئولية ويعمل على حسن إتمامها، وخصَّ المرأة بالعاطفة والرقة والحنان والحب والود حتى ترعى بيتها وتصونه وتحفظه وتحسن في شأن بيتها من رعاية لأولاد صغار يرغبون العاطفة والرقة والحنان وتدبير شأن البيت الصغير الهادىء، فهناك تناسق فطري ما بين دور الرجل ودور المرأة في المملكة الصغيرة.  

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة تظهر في وصف الله تعالى لدور الرجل في رعاية زوجته وبيته، وهو وصف شامل كامل ولكن هناك من يغفل عنه وبالأخص في وقتنا المعاصر، [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ]النساء 019، وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة وكف الأذى وبذل الإحسان وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما تفسير السعدي

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة في الرفق واللين والرحمة والحب والود وصفات أخرى طيبة مباركة ننشدها في السيرة النبوية العطرة، وفي معاملة رسول الله  صلى الله عليه وسلم لزوجاته الفضليات أمهات المؤمنين رضوان الله عليهنَّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَغُلاَمٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ يَحْدُو، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقـــًا بِالْقَوَارِيرِ)) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للنساء ...، رقم الحديث [70] (2323)

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة في صلاح الزوجة وطاعتها لله تعالى من خلال طاعة زوجها وحفظ بيتها ورعاية شئونه [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ]النساء 034، وإنما يكون ذلك طاعة لله وحبــًا لله وصلةً بالله، وهؤلاء هُنَّ من يسعد الزوج بهنَّ ويسعد بصحبتهن، ويرى معهنَّ السكن والمودة والرحمة بحق، وهي نعمة عظيمة يمنُّ الله بها على عباده المؤمنين، وفي الحديث الشريف عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى الله خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ)) سنن ابن ماجه، كِتَاب النِّكَاحِ، باب أفضل النساء

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة في ملاطفة النساء والإحسان إليهن والصبر على عدم اتزانهنَّ إن ظهر فيهنَّ ذلك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( ..... وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً)) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح البكر، رقم الحديث [60] (1466)، وصحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: [وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة]
وقيل معناه اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وأرفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن، وقوله ((خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ)) قيل فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر وأُخرجت منه كما تخرج النخلة من النواة، وقوله ((وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ)) قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، قوله ((إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ)) قيل هو ضرب مثل للطلاق. فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وهذا الوصف يبين احتمال وجود ضعف في النساء يستحق التقويم والتهذيب بالحسنى، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاتمة الحديث تبين خير وسيلة لعلاج سلبية ضعف النساء ((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً)).  

مَــوَدَّة وَرَحْـمَـة في الحديث النبوي الشريف وإرشاده العظيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقـــًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ)) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح البكر، رقم الحديث [61] (1467) وقوله ((لاَ يَفْرَكْ)): أي لا يبغض، لأنه إن وجد فيها خُلُقــًا يكرهه وجد فيها خُلُقــًا آخر مرضيــًا كجمالها وعفتها ورقتها ورعايتها لشئونه.


والشاهد أنَّ المودة والرحمة تبدأ في حسن الإختيار، عند الرجل حينما يختار الزوجة الصالحة كما وصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح البكر، رقم الحديث [53] (1466) فذات الدين في ظاهرها وباطنها، في أخلاقها وسلوكها، في صحبتها وحسن عشرتها هي بحق الزوجة الصالحة التي تكون عونــًا لزوجها في الرخاء والفرج، في الضيق والشدة.
 وعند الفتاة حينما يختار لها أهلها الرجل الصالح في ظاهره وباطنه، في أخلاقه وسلوكه، الراقي في معيشته وحياته، وليس مجرد مقدرة مالية أو اجتماعية فقط، وإنما يكون راقيــًا بدينه في نظام حياته.

إنَّ منظومة المودة والرحمة تنشأ من الطرفين، من الرجل حينما يحرص على قول الله تعالى ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))،  ومن المرأة حينما يكون في كيانها قول الله تعالى ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ))، إننا عندما نستحضر الرقي الإجتماعي المفقود في المجتمع المسلم بين أفراده وفي هواء حياته ستعود المودة والرحمة سائدة ومنتشرة في كل بيت مسلم كما كانت من قبل، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق