16 من جمادى الأولى 1436 هـ
054
ءاية ومعنى
وَقُــلْ لِعِـبَـادِي
يأمر الله تعالى
رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ عباد الله المؤمنين إلى طريق الهداية
والصراط المستقيم، وهذا الإرشاد المبارك منحة ونعمة أكرم الله بها عباده المؤمنين،
لأنَّ كل عبد صالح أحبَّ الصواب واختار العدل والاعتدال في حياته الدنيا لينال الهداية من الله تعالى ويحصد
الفوز والفلاح في الدار الآخرة بإذن الله.
وقد ورد التعبير
القرآني "وَقُــلْ لِعِـبَـادِي" في ءايتين كريمتين، ءاية تخاطب قلب المؤمن في إيمانه وعمله وتبين
أحسن الأعمال وأفضلها، وءاية تخاطب المجتمع المسلم وترشده إلى أحد الآداب
الإجتماعية التي تصون المجتمع وترسخ العلاقات الحسنة فيه، وتحفظه من كيد الشيطان
وهو العدو الرئيسي لآدم وذريته إلى يوم الدين.
الآية الأولى فيها خطاب لعباد الله المؤمنين، خطاب يخص إيمانهم وأعمالهم، ويحث المؤمنين على طاعة الله والقيام بحقه [قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)]إبراهيم 031، والمراد بإقامتها هو: المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر: أي في الخفية، والعلانية: وهي الجهر تفسير ابن كثير
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ
دَخَلَ الْجَنَّةَ، مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلواتِ الْخَمْسِ عَلَى وضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ
وُسُجُودِهِنَّ وَمُواقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ
إِلِيهِ سَبِيلاً، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طيِّبَةً بها نَفْسُهُ، وأدَّى الْأمَانَةَ))
قَالوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ؛ وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ؟، قَالَ: (الْغُسْلُ
مِنَ الْجَنَابَةِ) رواه
أبو داود، كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات
فالآية الكريمة والحديث الشريف لا يتحدثان عن أداء ظاهري مظهري، وإنما
الحديث عن أداء يأتي من باطن سوي وقلب سليم خاشع خاضع لله ربِّ العالمين، وعمل
صادق في ظاهره وباطنه، وهذا يتضح في وصف أداء الصلوات الخمس ((عَلَى وضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وُسُجُودِهِنَّ
وَمُواقِيتِهِنَّ))، وكذلك الإنفاق من زكاة مفروضة أو صدقات تقربـــًا إلى
الله [وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً]، وفي الحديث الشريف ((وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طيِّبَةً بها نَفْسُهُ))، فإخراج المال ليس بأمر سهل على الطبيعة
البشرية المحبة لجمع المال وتملكه، ولكن هذه الصفة البشرية يتم تقويمها وتهذيبها
بالإيمان والإخلاص لله تعالى [وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ]البقرة
177،
والفائدة العظيمة من إخراج الزكاة والصدقات يصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في
حديثه الشريف، في حديث كعب بن عجرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((... وَالصَّدَقَةُ
تُطْفِئُ الْخَطِيئَةُ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ...)) رواه الترمذي، باب ما ذكر في
فضل الصلاة
والله تعالى يدل
عباده المؤمنين ويرشدهم إلى أبواب الخير، وطريق النجاح والفلاح الذي يأخذهم إلى
الأمان والسلام [مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)]، قال المفسرون: [مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ]:
أي فِدَاء [وَلَا خِلَال] أَيْ لا صَدَاقَة تَنْفَع يَوْم الْقِيَامَة تفسير الجلالين، إنما ينفع المُدَّخَرُ من الأعمال الصالحة الذي تأخذ العبد المؤمن إلى
رحمة الله ورضوانه، وإلى جنة الخلد والنعيم المقيم.
الآية الثانية فيها
خطاب لعباد الله المؤمنين، خطاب يخص المجتمع المسلم والعلاقات الاجتماعية بين عباد
الله، وفيها حث على المعاملة الحسنة في كلمة طيبة حسنة، قال تعالى: [وَقُلْ
لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ
بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)]الإسراء 053، أن
يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنه إذ لم يفعلوا
ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأوقع فيهم العدواة والبغضاء والكراهية والضيق، وفرَّق
بينهم وعن جمع الخير، وكل ذلك عن طريق كلمة تخرج من اللسان، فالفعل سهل هين على
النفس البشرية، ولكنَّ تأثيره شديد قوي أيضـــًا على النفس البشرية.
قال أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((الْكَلِمَةُ الطَّــيَّـبَةُ صَدَقَةٌ))
صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب طيب
الكلام، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا
الْفَأْلُ))، قَالُوا: (وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قَالَ: ((الْكَلِمَةُ
الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ)) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الفأل، رقم الحديث 5755،
((طِيَرَةَ))
تعني: الشؤم، ((الْفَأْلُ)) تعني:
البشرى.
فالشيطان ينزغ بين
الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت وبالرد السيىء يتلوها فإذا جو الود والمحبة والوفاق
مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء، والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب تندي جفافها
وتجمعها على الود الكريم، والشيطان عدو مبين للإنسان يتلمس سقطات فمه وعثرات لسانه
فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه، والكلمة الطيبة تسد عنه الثغرات
وتقطع عليه الطريق وتحفظ حَرَمَ الأخوة آمنـــًا من نزغات ونفثات الشيطان. في ظلال القرآن
.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق