8 من جمادى الأولى 1436 هـ
052
المْؤمِــنُ كَالْـوَتَـدْ
الاستقرار
والراحة لن يكون أبداً على الأرض، ولن تأتي مع المعيشة في الحياة الدنيا لأنَّ
الحياة على الأرض إنما هو اختبار وامتحان ينتهي في وقت محدد بانتهاء الحياة لكل
فرد على الأرض، والاستقرار والاطمئنان يكون للمؤمنين في الجنة برحمة الله ورضوانه [أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ
مَقِيلًا (24)]الفرقان 024، هو المستقر
النافع والراحة التامة لاشتمال ذلك على تمام النعيم الذي لا يشوبه كدر. تفسير السعدي
والحياة
على الأرض تقترن بالمشقة والصعاب والتعب [لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)]البلد 004، فمهما كان أمام أعيننا أشخاص يعيشون في راحة مادية مالية مترفة إلا أنه
بالتأكيد توجد عليهم ضغوط وصعاب ومواقف شدة وهكذا تكون الحياة، والمؤمن الصادق
يلاقي صعوبة مضاعفة لأنه صادق في حياته لا يغش ولا يخدع ولا يكذب ولا يخادع، ومن
لم يتفهم الأمر قد يلجأ إلى الهروب والإنغلاق والإنعزالية أو يتنازل عن مبادئه ويُسايرُ
السلبيات المحيطة به، ولكن هناك وسائل علاج
غير مباشرة تساعد على الوقوف ضد ضغوط الحياة بصورة مباشرة بقوةٍ في الشخصية وثبات
وتماسك.
افهم حياتك
والمقصد
الرئيسي من فهم الحياة هو ألا نعطي الحياة أكثر من حجمها، وألا تكون هي شغلنا
الشاغل ولا منتهى طموحنا ورغباتنا [وَمَا
هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ
الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)]العنكبوت 064
والوسطية
والاعتدال في التعايش الصادق مع الحياة الدنيا نلمسه في قوله تعالى: [فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي
الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا
حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ
الْحِسَابِ (202)]البقرة 202:200، وكذلك الحديث النبوي الشريف، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي
قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة،
وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ
وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ
لَهُ)) رواه
الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع
هذا
الفهم الصادق المصحوب بالإخلاص يأخذ صاحبه إلى التمسك بالمبادىء الصحيحة السليمة
التي لا تشوبها شائبة، وعدم الإنجراف مع سلبيات المجتمع وأمراضه وأسقامه، فهناك من
يذهب إلى أمراض المجتمع دون أن يشعر أو يستشعر، وإنما يعتبر ذلك نصاحة وشطارة،
ولكن أصل الأمر أنه لم يفهم شيئــًا عن حقيقة حياته والهدف منها.
أكثر من ذكر الله
الصلةُ
بالله تعالى من أفضل وسائل بناء حصن المؤمن وجداره الراسخ الثابت الذي يقف أمام
أشد الصعاب،وأثقل الضغوط في الحياة الدنيا، وهذا ليس بكلام نظري وإنما هو واقع عملي حقيقي [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا]فاطر 010.
والوسائل
العملية للخروج من ضغوط الحياة وتملك النفس وعدم فقد السيطرة على الأعصاب عند أي
شدة أو موقف فيه صعوبة أو مشقة أو ضيق هي:
-
التسبيح
والذكر الدائم لله تعالى [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)]الرعد 028، وفي رأيِّ الشخصي أنَّ "السبحة" أو
"المسبحة" تساعد على التسبيح والذكر، وحينما تكون في اليد بصفة دائمة
يأتي معها التنبيه والتذكير بالتسبيح من استغفار أو الصلاة على رسول الله صلى الله
عليه وسلم أو الحمد، وكذلك قراءة القرآن والاستماع إلى القرآن وغير ذلك.
-
قيام
الليل وصلاة الفجر في وقتها وما في ذلك من خشوع وخضوع لله تعالى عَنْ جُنْدَبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الله ....)) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة العشاء
والصبح في جماعة.
-
الدعاء
والمناجاة، واللجؤ والشكوى إلى الله وألا نشكو لغير الله.
وهي
وسائل تأتي على النفس بالهدؤ والسكينة والطمأنينة والثبات والعزيمة والقوة حتى
يكون المؤمن كالوتد الراسخ، والجبل الشامخ.
الرياضة البدنية والنفسية
الرياضة البدنية من الوسائل الحيوية للخروج من ضغوط الحياة، ولا تقتصر الرياضة البدنية على صحة القلب والجسم فقط ولكن تتعداها إلى الترفيه عن النفس وتحسين المزاج والتخلص من الضغط النفسي اليومي، وكل ذلك بممارسة رياضة بدنية يومية بسيطة، تساعد على تجديد الدم في الجسم وتعزز الثقة بالنفس، وتحصل على المزيد من الدعم المعنوي والفوائد البدنية النفسية العقلية والقلبية.
الرياضة النفسية وهي رياضة سهلة لينة على قلب المؤمن، وتكون مع حركة البدن في "الصلاة"، فحركات "الصلاة" أفضل رياضة عقلية وروحية وجسدية متنوعة وشاملة، تساعد على دوران الدم بشكل جيد وإيصاله لكافة أعضاء الجسد وبخاصة الدماغ، والمحافظة على "الصلاة" يعني المحافظة على جسد سليم وحالة نفسية هادئة ومستقرة، وكذلك في الركوع والسجود فائدة عظيمة للأوعية الدموية وتحسين دورة الدم وتحسين أداء القلب والمذهل أن هذه التأثيرات العجيبة لا تظهر إلا مع المحافظة على الصلوات، "والصلاة" تمنح المؤمن طاقة عجيبة بسبب اتصاله مع خالقه عز وجل هذه الطاقة تزداد كلما ازداد الخشوع والخضوع لله ربِّ العالمين، قال تعالى: [حَــاـفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَــاـنِتِينَ (238)]البقرة 238.
اعرف قدراتك
الإنشغال المفيد من أهم وسائل تملك النفس،
وإنما يكون ذلك من خلال معرفة القدرات الشخصية والملكات الخاصة، فالكثير من الناس لا يعرف حقيقة قدراته
اللامحدودة التي وهبها الله له، في حديث علي رضي الله عنه ... قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلاَ نَتِّكِلُ؟
قَالَ: ((لاَ. اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ...)) صحيح البخاري، كتاب
التفسير، باب [فسنيسره للعسرى]، وصحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق
الآدمي في بطن أمه، وكتابة ورزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته
فهناك صفات وقدرات وامكانيات ومواهب وطباع شخصية ظاهرية وخفية
موجودة داخل كل نفس بشرية، وعلى كل شخص أن يعرف ذلك داخل نفسه وشخصه، وينمي تلك
المواهب والامكانيات بعيداً عن الدراسة السابقة أو العمل الذي يتكسب منه، ولكن هي
معرفة لامكانيات في طباعنا غير مستغلة مثل موهبة حرفة أو صناعة بسيطة أو حب بذل
الخير أو مساعدة الأيتام أو بيوت الفقراء أو كتابة الشعر والحضور الثقافي، أو
تعليم الأطفال الصغار مبادىء الدين وحفظ كتاب الله، والأفكار كثيرة ومتعددة، ولكن
على كل شخص معرفة أحب الأعمال إلى قلبه وأقربها إلى نفسه، وينشغل بإخلاص في ذلك
الأمر، وهذا هو الإنشغال المفيد الذي يساعده على التصدي لضغوط الحياة وصعابها وله
الثواب العظيم عند الله تعالى.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق