الاثنين، 23 فبراير 2015

إِيَّــاكَ نَـعْـبُـدُ وَإِيَّــاكَ نَـسْـتَـعِـينُ



مكتبة العلم النافع

4 من جمادى الأولى 1436 هـ     051

إِيَّــاكَ نَـعْـبُـدُ وَإِيَّــاكَ نَـسْـتَـعِـينُ
 

كتب الإمام ابن القيم كتابه القيم "مدارج السالكين"، كتبه في ثلاثة مجلدات يشرح فيه منازل "إِيَّــاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّــاكَ نَسْتَعِينُ"، ويغوص في أعماق هذه الآية العظيمة، ويخوض في أسرار معناها، ألَّا عبادة إلا لله ولا استعانة إلا بالله.
هو كتاب قيم فيه بيانٌ لخفايا الإيمان داخل القلوب، واختلاف درجاته بين النفوس، وكل ذلك حول معنى ءاية فاتحة الكتاب "إِيَّــاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّــاكَ نَسْتَعِينُ"، قال الإمامُ رحمه الله: "التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها"

وقال أيضــًا: وَتَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْغَايَاتِ عَلَى الْوَسَائِلِ، إِذِ الْعِبَادَةُ غَايَةُ الْعِبَادِ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَاسْمِهِ "اللهِ"، "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَاسْمِهِ "الرَّبِّ"، فَقَدَّمَ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" عَلَى "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، كَمَا قَدَّمَ اسْمَ "اللهِ" عَلَى "الرَّبِّ" فِي أَوَّلِ الْسُورَةِ [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1)]، وَلِأَنَّ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" قَسْمُ الرَّبِّ فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِهِ، "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" قَسْمُ الْعَبْدِ فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ وَهُوَ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

وما نتفهمه من شرح الإمام ابن القيم أنَّ مفهوم العبودية والاستعانة متعلق بمفهوم الألوهية والربوبية، فآيات الله في الكون من نظام دقيق فيه الاعتدال والتوازن دليل على وجود الإله الواحد الذي ليس له شريك، والربوبية أن له الجمع الجامع لجميع مخلوقاته، فهو ربُّ كل شيء وخالقه، وكل من السموات والأرض في قبضته وتحت مشيئته، فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من الألوهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية.

وهناك نوعان من العبودية: عامة، وخاصة


فالعبودية العامة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله، برِّهِم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم، فهذه عبودية القهر
والملك، قال تعالى: [إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَــاـوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)]مريم 093، وقال تعالى:
[وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ]الفرقان 016، فسماهم عباده مع ضلالهم ولكن تسمية مقيدة بالإشارة، وأما المطلقة فلم تجىء إلا لأهل العبودية الخاصة.
 والعبودية الخاصة: عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، قال تعالى: [يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)]الزخرف 068، وقال تعالى: [فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ]الزمر 018،017.

قد لا يُنْكرُ النَّاسُ وجودَ اللهِ وأنه هو الخالق البارىء المصور، ولكن الشرك بالله دائمــًا يكون في شأن الربوبية، حيث يسعى الغافلون نحو من يرونهم بأعينهم لقضاء حوائجهم ومطالبهم سواء كان اللجؤ والاستعانة إلى الأصنام أو المقامات أو البشر، وفي سورة الأنعام وصف لحال الكافرين يوم القيامة، وتوجد كلمة "رَبِّنَا" على لسان الكافرين في أكثر من ءاية كقوله تعالى: [وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)]الأنعام 022،023، وقال تعالى: [وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)] الأنعام 027.
وعند ذكر الاستعانة بأصحاب المقامات من أولياء الله الصالحين، ليس المقصد تكفير من يفعل ذلك أو إخراجه من الدين، ولكنَّ الفعل عظيم ويُعَدُ من أكبر الكبائر، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟) قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ....)) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: [فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون]، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وَلِأَنَّ "الْعِبَادَةَ" الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ "الِاسْتِعَانَةَ" مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عَابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تَامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ وَلَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَغْرَاضِ وَالشَّهَوَاتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ، وَالِاسْتِعَانَةُ جُزْءٌ مِنِ الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.
وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، والِاسْتِعَانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَمِنْ غَيْرِ مُخْلِصٍ.
والْعِبَادَةُ حَقُّ اللهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ، وَالِاسْتِعَانَةُ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَتَمَّ عُبُودِيَّةً كَانَتِ الْإِعَانَةُ مِنَ اللهِ لَهُ أَعْظَمَ. (مختصر)

هذه المدونة مستوحاه من كتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله مع إضافات توضيحية





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق