الثلاثاء، 3 فبراير 2015

الْـحُـــبُّ فِي اللهِ




مكتبة العلم النافع

14 من ربيع الثاني 1436 هـ     048

الْـحُـــبُّ فِي اللهِ

الحب في الله

كل شخص له أصدقاء ومعارف في الدراسة أو العمل أو الجيران، وهناك أصحاب يلتقون ويجتمعون بصورة يومية أو دورية، وكذلك الاتصالات الدائمة في المناسبات وغير المناسبات، وهذا هو الجو المجتمعي الذي نعيش فيه، فهي ميزة طيبة وليست عيبــًا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو الحب في الله؟
إنَّ نعمة الإسلام التي أنعم الله بها علينا هي نعمة عظيمة منحنا الله إياها وأكرمنا بها، وفيها تآلف للقلوب والتقاء بينها على كلمة واحدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وفيها الأخوة الصادقة النابعة من عقيدة راسخة وإيمان حقيقي بالله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا]آل عمران 102، [وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـاـكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)]الأنفال 063

والصورة الحقيقية للحب في الله والأخوة الصادقة، كانت عند استقبال الأنصار للمهاجرين في المدينة [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَــاـنَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ]الحشر 009، فهذه هي الصورة المثلى للحب في الله والتي تمثلت في صفاء الصدر، والصدق عند الاستقبال بالفرح والسعادة، وكذلك الإيثار بكل ما عندهم لإخوانهم في العقيدة عن حب وود وتآخي ورضا.
وهذا هو التآلف والتآخي والحب في الله النابع من صدق الإيمان وثبات العقيدة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على ذلك، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُود فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))متفق عليه، رواه البخاري ومسلم
قال القاضي عياض رحمه الله: والحب في الله من ثمرات حب الله، وقال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فيحب ما أحب، ويكره ما كره.تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم
فالحب في الله يكون قائمًا على أساس طاعة المرء لله تعالى، فلا يكون من أجل شيء من مصالح الدنيا.
وقال أحد الصالحين: علامة الحب في الله ألا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء.

والحب في الله يكون لله، فيكون الالتقاء لله والتفرق لله، وهذا المعنى نلمسه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلَّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّىَ لاَ تَعْلَمُ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيــًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))متفق عليه، رواه البخاري ومسلم
قوله صلى الله عليه وسلم: ((وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ))، معناه اجتمعا على حب الله وافترقا على حب الله، أي كان سبب اجتماعهما حب الله واستمرا على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما، صاحبه لله تعالى حال اجتماعهما وافتراقهما، وفي هذا الحديث الحث على التحاب في الله وبيان عظم فضله وهو من المهمات، فإن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وهو بحمد الله كثير يوفق له أكثر الناس أو من وفق له.تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم

منزلة المتحابين في الله


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَىَ، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَىَ مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، فَلَمَّا أَتَىَ عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخاً لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا*؟ قَالَ: لاَ، غَيْرَ أَنَّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ))صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب في فضل الحب في الله، رقم الحديث [38] (2567)، *(تَرُبُّهَا): أي تقوم بإصلاحها وتنهض إليه بسبب ذلك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابَّونَ بِجَلاَلِي. الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي. يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاّ ظِلِّي))صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب في فضل الحب في الله، رقم الحديث [37] (2566)
عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء))سنن الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الحب في الله

وخلاصة القول: أنَّ الحب في الله صفة حميدة تنبع من الإيمان، تتمثل في الحب والتآخي والتوآد والتراحم، والصلة الصادقة، والالتقاء لله وعلى طاعة الله، والافتراق لله وعلى طاعة الله، والإخلاص لله في ذلك كله.
والمتحآبون في الله لهم منزلة عظيمة عند الله تتمثل في حب الله لهم في الدنيا، ورحمة الله ورضاه عنهم في الدار الآخرة، وأن يكونوا في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. نسأل الله أن نكون من المتحآبين في جلاله، والذين ينالون رحمة الله ورضاه،، اللهمَّ آمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق