10 من ربيع الثاني 1436 هـ
046
إِلَّا الْمُـصَــلِّــيـنَ
هناك تصوير في آيات الله تعالى في كتابه الحكيم لحقيقة النفس البشرية وطبيعتها وما فيها من خير وشر، وأيضــًا طرح لوسائل تقويم وتهذيب تلك الصفات، ويوضح الله تعالى في سورة المعارج (مكية) سمات تسكن في طبيعة النفس البشرية وهي أنه هلوع جزوع ومنوع، وكذلك تصوير لأحوال الناجين من تلك الأخلاق الذميمة [إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)]المعارج 022:019
والآية
الكريمة تبين صفة الهلع في الإنسان والتي تظهر عند الشر في الجزع والفزع والرعب
الذي ينزل على نفسه وقلبه وعقله، وتظهر عندما يمسه الخير والنعمة من الله فيبخل
بها على غيره ويمنع حق الله فيها، والإنسان متصف بصفات الذم هذه إلا من عصمه الله
ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون، والله تعالى يبين صفات لهم
تبين ظاهر وباطن إيمانهم، صفات تعصمهم وترفعهم من سمات وطبيعة النفس البشرية.
·
الصفة
الأولى: [الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ
دَائِمُونَ (23)] المعارج 023، قيل:
معناه يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم، وقيل: المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع،
كقوله: [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ
خَاشِعُونَ]المؤمنون: 1، 2، وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملا داوموا عليه وأثبتوه. تفسير ابن كثير
·
الصفة
الثانية: [وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ
وَالْمَحْرُومِ (25)] المعارج 025،024، وهي صفة أداء حق الزكاة وإعطاء الصدقات لمن يستحق، والسائل من يسأل
وله الحق في سؤاله، والمحروم هو من لديه ضيق في ذات اليد، وحينما كان المسلمون
يعيشون في تواصل وتلاحم وتعايش اجتماعي كان الغني يرى الفقير ويعطف علية ويعطيه مما
أعطاه الله، أما الآن والكل في انشغال مع حاله فلا يرى أحدٌ أحدا إلا من رحم الله.
·
الصفة
الثالثة: [وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ
الدِّينِ (26)
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ
رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)] المعارج 028:026، وهم من يوقنون بيوم الحساب والجزاء ويعملون العمل يرجون الحساب
ويخافون العقاب، [مُشْفِقُونَ] خائفون وجلون، والعاقل هو من يخاف عذاب الله
ولا يأمنه إلا من عند الله تبارك وتعالى.
·
الصفة
الرابعة: [وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَــاـفِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَــاـنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى
وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)] المعارج 031:029، وهم الذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا
يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها
الله لهم وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه
ولا حرج. تفسير ابن كثير
·
الصفة
الخامسة: [وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَــاــنَــاـتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32)] المعارج 032، إذا
اؤتمنوا لم يخونوا وإذا عاهدوا لم يغدروا وهذه صفات المؤمنين، وضدها صفات
المنافقين كما ورد في الحديث الصحيح تفسير ابن كثير عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ. وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ.
وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ)) متفق عليه رواه البخاري ومسلم
·
الصفة
السادسة: [وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَــاـدَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)] المعارج 033، محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون
منها ولا يكتمونها، [وَمَنْ يَكْتُمْهَا
فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ] البقرة 283، تفسير ابن كثير
·
الصفة
السابعة: [وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ
يُحَافِظُونَ (34)] المعارج 034، على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر
الصلاة واختتمه بذكرها فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها تفسير ابن كثير
هي
صفات للمؤمنين مكتسبة بالإيمان الصادق والإخلاص لله ربِّ العالمين، والله تعالى هو
الهادي إلى صراطه المستقيم.
وهي
صفات للمؤمنين تعصمهم وترفعهم من سمات وطبيعة النفس البشرية، فصفة الهلع وما فيها
من الجزع عند الشر، والمنع عند الخير فإنما يكون ذلك عند الارتباط الشديد بالحياة
الدنيا والانشغال بها وكأنَّ الإنسان سيخلد فيها، وأما صفات المصلين تعني صلتهم
بالله تعالى، والفهم الحقيقي لقدر الحياة فلا يعطونها أكثر من حجمها، وفي ذلك
تهذيب لنفوسهم وقلوبهم ورقي في حياتهم [أُولَئِكَ فِي جَنَّــاـتٍ مُكْرَمُونَ (35)] المعارج 035، [أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَــاـلِدُونَ (11)] المؤمنون 011،010
نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء المؤمنين المُصَلِّين، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم .. اللهمَّ آمين.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق