الثلاثاء، 27 يناير 2015

الْــمَــالُ وَالْــبَــنُــونَ



مكتبة العلم النافع

7 من ربيع الثاني 1436 هـ     045

الْــمَــالُ وَالْــبَــنُــونَ


الْمَالُ وَالْبَنُونَ مطلب للإنسان وغاية يحب أن يتملكها وأن يتحكم فيها، أوجدها الله تعالى داخل النفس البشرية، وزينها للإنسان ابتلاءًا واختبـــارًا له على هذه الأرض، [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)]آل عمران 015،014، وهذه الآية الكريمة توضح الصورة العامة للطبيعة البشرية وما فيها من صفات ورغبات ومتطلبات واختبارات، وكذلك منهاج النجاح في هذا الاختبار والذي يتمثل في تقوى الله عزَّ وجلَّ وحال المتقين، [الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)] آل عمران 016،017، وهذا هو حال وصفات المتقين [الصَّابِرِينَ] في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات [وَالصَّادِقِينَ] فيما أُخبروا به من إيمانهم وبما يلتزمونه من الأعمال [وَالْقَانِتِينَ] والقنوت: الطاعة والخضوع [وَالْمُنْفِقِينَ] من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات ومواساة ذوي الحاجات [وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ] دلَّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.من تفسير ابن كثير

الْفِـتْـنَةُ

قد يكون حُبُّ المال والبنين مذمومــًا منبوذا أو ممدوحــًا محمودا، فحب المال تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء فهذا مذموم منبوذ، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود، وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة الإسلام، وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح.

[إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)]التغابن 016،015
والفتنة تعني الاختبار وابتلاء من الله لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، فمع المال والأولاد يكون الانشغال في جوانب الحياة، ويكون الانشغال عن الطاعات والانشغال عن القربات لله ربِّ العالمين، وقد يكون هذا بدرجات مختلفة بين المؤمنين، وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن بريدة سمعت أبي بريدة يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: ((صدق الله ورسوله [إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما)) ورواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي، في الحديث الشريف إشارة إلى حال قلوب المؤمنين من فتنة الأولاد والأحفاد وانشغال القلب بهم.
وأما عن فتنة حب المال، وحبه داخل النفس البشرية والطبيعة البشرية [وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)]الفجر 020، كما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا في حديثه الشريف اختفاء ميزان الحق داخل النفوس البشرية في أيامنا هذه وزماننا الذي نعيش فيه، واتباع الوسائل المختلفة في جمع المال واكتسابه لدى عدد ليس بقليل وليس بكثير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ)) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب من لم يبال من حيث كسب المال، رقم الحديث 2059

الْعَدْلُ

العدل في كسب المال وفي اكتسابه، والبذل والعطاء بالمال تقربــًا إلى الله وحبـــًا لله ورسوله [وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ]البقرة 177  
والعدل في العطاء للأبناء، وفي نشأة الأبناء وحسن توجهيهم وتربيتهم، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: (لاَ أَرْضَى حَتَّىَ تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَهُ عَلَىَ صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟)) قَالَ: (لاَ)، قَالَ: ((اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ)) فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. صحيح مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة.
فالصحابة الكرام هم المَثَلُ والقدوة لنا في العدل وحُسْنِ الاتِّباع لله ورسوله، وهم من دعا لهم رسول الله بكثرة المال والولد والبركة في العطاء، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة، رقم الحديث 6378

وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ

[الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)]الكهف 046

قال سعيد بن المسيب: [وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ] سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقال ابن عباس: هي ذكر الله، قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها. تفسير ابن كثير

والإسلام لا ينهى عن المتاع بالزينة في حدود الطيبات ولكنه يعطيها القيمة التي تستحقها الزينة في ميزان الخلود – ولا يزيد إنهما زينة ولكنهما ليسا قيمة – فما يجوز أن يوزن بهما الناس ولا أن يقدروا على أساسهما في الحياة، إنما القيمة الحقة للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات، وإذا كان أمل الناس عادة يتعلق بالأموال والبنين فإن الباقيات الصالحات خير ثوابا وخير أملا عندما تتعلق بها القلوب ويناط بها الرجاء ويرتقب المؤمنون نتاجها وثمارها يوم الجزاء. في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب رحمه الله







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق