الجمعة، 2 يناير 2015

قذف المحصنات .. حادثة الإفك .. دروس وعبر



مكتبة العلم النافع
11 من ربيع الأول 1436 هـ     039
آفات اللـــسان – قذفُ المُحصناتِ

حادثة الإفك – دروس وعبر


استكمالاً للحديث عن قذف المحصنات، وحادثة الإفك والدروس والعبر المستفاد منها من هذه القصة التي أظهرها المنافقون في مجتمع المدينة، وتجرءوا فيها على البيت النبوي الشريف، وعلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها
وإن كان من المؤمنين من وقع في هذا الأمر وأقيم عليه الحد، إلا أنَّ هذا عن غفلة، وفي إقامة الحد عليهم توبة إلى الله وبينت الروايات أن من خاض في الإفك قد تاب إلى الله، وحسَّان بن ثابت شاعر المدينة كتب شعراً يمدح فيها السيدة عائشة ويعلن فيه اعتذاره عن قوله في شأنها.

رَأيتُـــــــكِ وَلْيَــــــغْـــفِـــرَ لَكِ اللهُ حُــــــــرَّةً    مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرَ ذَاتِ غَــوَائِلِ
حَـــــــصَـــانٌ رَزَانٌ مَا تَــــــــزِنُ بِـــرِيــــــبَـــــةٍ    وُتصْبِحُ غَــــــرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَــــوَافِلِ
وَإِنَّ الْــــــــذِي قِــــيلَ لـــــيسَ بِـــــلائـــقٍ     لَكِ الدَّهرُ بلْ قِيلَ امريءٍ مُتَنَاحِلِ
فَإِنْ كُنْـتُ أَهْــــجُوكُمْ كَمَا بَــــلَّغُوكُمْ     فَــــلا رَفَـــــعَتْ سَــــــــوطِي إِليَّ أَنَــــامِلِي
فَكَيفَ ووديِّ مَا حَييتُ وَنُصْرَتِي     لآلِ رَسُـــــــــــــولِ اللهِ زَيْــــــــــنِ الْمَحَافِلِ

وأمَّا المنافقون فلا توبة لهم – إلا عند توبتهم عن النفاق ورجوعهم إلى العقيدة السليمة – لأنهم في أشد عداء لدين الله رغم أنهم يُعدُوا من المسلمين، والله تعالى توعد لهم بالعذاب الشديد [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)]النساء 146،145.
وأمَّا الرافضة وأمثالهم ممن يتجرءون بالقول والتلميح والتصريح على السيدة عائشة والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقد بيَّن علماء المسلمين بياناً عظيماً في شأنهم، [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)]الأحزاب 058، وقوله: [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا] أي: ينسبون إليهم ما هم بُرَآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، [فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] وهذا هو البهت البين أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقيص لهم، ومَنْ أكثر مَنْ يدخل في هذا الوعيد الكفرةُ بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد بَرَّأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين. تفسير ابن كثير


وقال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)]النور 025:023، قال ابن عباس: نزلت في عائشة خاصة، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة، ومن صنع مثل هذا أيضًا اليوم في المسلمات، فله ما قال الله عز وجل ولكن عائشة كانت إمامَ ذلك.

وهذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات – خُرِّج مخرج الغالب – المؤمنات، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما،، وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن. تفسير ابن كثير

إنَّ قذف المحصنات أعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِالله. وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ)).صحيح البخاري، كتاب المحاربين من الكفر وأهل الردة، باب رمي المحصنات، رقم الحديث، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، رقم الحديث.
والموبقات هي المهلكات والمراد بالموبقة هنا الكبيرة، والمراد بالمحصنات هنا العفائف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما قذفن به، وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء. تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم، وتفسير ابن حجر لصحيح البخاري 

والخبيث هو من يقول القول الخبيث ويسمع القول الخبيث وكذلك الخبيثة، والطيب هو من يقول القول الطيب ويسمع القول الطيب [الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)]النور 026.


قال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول؛ والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول؛؛ وقال: نزلت في عائشة وأهل الإفك. تفسير ابن كثير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق