مكتبة العلم
النافع
22 من صفر 1436 هـ
029
الإتحاد
قوة
درسنا
في المنهج المدرسي قصة الرجل
الذي يوصي أولاده أن يتحدوا سوياً ولا يتفرقوا، ويضرب لهم مثلاً البوص المتماسك
المعقود في الحزمة، كيف أنه في قوة مادام مربوطاً كما هو، أما حينما تُحلُ عقدته
وتصبح كل بوصة بمفردها إنما تكون في هون وضعف لأنها وحيدة فيظهر ضعفها ووهنها
ويسهل كسرها؛؛ فالإتحاد قوة وقوة وقوة.
لو تأملنا وتفكرنا
وقرأنا التاريخ الإسلامي لعرفنا كيف كانت قوتنا عند وحدتنا وتماسكنا وإتحادنا،
ولكن الغريب أنَّ المسلسلات والأفلام تؤثر على أفكارنا دون أن نشعر بذلك، فلقد
صورت لنا تاريخنا العظيم في سطحية بأنها كانت أيام تخلف وظلم واضطهاد وانشغال
الأمراء والملوك والسلاطين بالجواري والنساء والخمور، وهذه سذاجة ونية سيئة في نقل
التاريخ ليحثنا على كرهه ولكي نُسلِّم بأنَّ الرقي والتقدم في حياتنا المعاصرة.
فكيف نعرف تاريخنا عن
كسب، بموضوعية ومصداقية وبدون عاطفة؟ وبالتأكيد سنرى الفتوحات الإسلامية العظيمة
في أيام الخلافة الراشدة، والخلافة الأموية والخلافة العباسية والخلافة العثمانية،
وسيادة إسلامية حضارية رائدة في كل أنحاء العالم، وائتلاف وتعاطف وتوافق وتعايش مع
مجتمعات مختلفة في بلاد الشرق الأوسط وبلاد جنوب شرق آسيا وبلاد السند والهند
وبلدان أفريقية وبلدان أوروبية وفي كل أنحاء العالم، مع اختلاف الأجناس والألوان
واللغات والأديان والثقافات والأشكال المعيشية المختلفة، وانتشار الإسلام بين
المجتمعات المختلفة دون إجبار أو قهر أو ظلم، هذه الحضارة الراقية لم تستطع دولة
عظمى أن تصنعها، وإن تملكوا السيطرة على الكثير من البلدان، وإنما كانت سيطرتهم
سيطرة طمع ومصلحة وأنانية، لذلك لم ترتبط بهم شعوب، ولم يتواجدوا في بلد من البلاد
إلا كمغتصب متكبر يسرق خيرات البلاد.
لقد كان هناك ضعف ووهن
ومرض في بعض الأوقات في حضاراتنا الإسلامية الراقية إلا أنَّ الإتحاد العقائدي
المتماسك يعود من جديد، إلا أننا سنعرف قوتنا في وحدتنا من خلال قراءة تاريخ
الخلافة العثمانية في أيام ضعفها وقبل تفكيكها وتشتيتها في نهاية القرن التاسع
العشر، وبداية القرن العشرين، والحرب العالمية الأولى، سنرى ذلك في النظر في حال
العدو الغربي من تخطيطاته وتنسقياته لتفكيك الخلافة العثمانية من خلال الحصار
الإقتصادي السياسي وإحتلال بلدانها، ولنقرأ عن اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور،
وإشاعة نداءات القومية في المجتمعات العربية الإسلامية في القرن العشرين والتي
نشأت في البلدان الغربية مع ثورات القرن الثامن عشر، حتى ينشأ السخط والتمرد بين
المجتمعات العربية الإسلامية على اتحاد المسلمين، حتى أصبحت هذه النداءات مُسلَّم
بها في وقتنا المعاصر في مجتمعاتنا بأنَّ كل دولة عربية إسلامية خاصة بنفسها ولها
مصالحها الخاصة ولها رؤيتها الخاصة ولها ثقافتها الخاصة ولها تاريخها الخاص ولها
حضارتها الخاصة ولها معيشتها الخاصة ولها سياستها الخاصة، ومن هنا جاء إلينا الضعف
والوهن بكل ثبات وقوة.
[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا] آل عمران 103
هو أمرٌ من الله
تعالى للمؤمنين بالإجتماع والاعتصام بدين الله مؤتلفين غير مختلفين، فإنَّ في إجتماعهم
على دين الله وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم، ويحصل لهم من المصالح التي
تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها من تعاون على البر والتقوى، كما أنَّ
بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى لمصلحته وعلى
هوى نفسه.
وَعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ يَرْضَىَ
لَكُمْ ثَلاَثاً وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثاً فَيَرْضَىَ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ
وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً
وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السَّؤَالِ،
وَإضَاعَةَ الْمَالِ)) صحيح مسلم، كتاب
الأقضية، باب باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. والنهي عن منع وهات، وهو
الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه، رقم الحديث [10] (1715)
فإِلاعتصام بحبل
الله هو التمسك بعهده واتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه، والحبل يطلق على
العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
((وَلاَ تَفَرَّقُوا)) فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض وهذه إحدى
قواعد الإسلام. تفسير الإمام النووي لصحيح
مسلم
عند وقوف المسلمين
على جبل عرفة في أداء فريضة الحج نعرف أنَّ لعقيدتنا الصحيحة قوة ليس لها مثيل، فمع
اختلاف الأجناس والألوان
واللغات والثقافات يجتمع الكل على كلمة واحدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)،
وهذا يؤكد عن إتحاد المسلمين ليس بالأمر الشاق أو الصعب،
ولكن يحتاج إلى صبر وصبر إلى أن يشاء الله بحكم المخلصين المحبين لدينهم، الغيورين
على عقيدتهم، المتفهمين لدينهم ولحياتهم [لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)]الأنفال 044، وإن اختلفت صورة الإتحاد عن السابق بما يناسب الحياة المعاصرة
والتغيرات الإقتصادية الإجتماعية السياسية الدولية العسكرية، والله تعالى أعلى
وأعلم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق