السبت، 15 نوفمبر 2014

رحلة جديدة



22 من محرم 1436 هـ      013

رحلة جديدة




حينما نقوم بالتجهيز إلى رحلة جديدة تكون عقولنا في انشغال بما سيحدث في هذه الرحلة وما سيكون فيها، لأنها بالنسبة لنا تغير في حياتنا يختلف عن ذي قبل، وقد تكون رحلة أجازة أو رحلة عمل أو رحلة مؤتمر وبحث علمي، وهذا الأمر طبيعي لأننا نفكر في المجهول بالنسبة لنا سواء كان التفكير سلبيــًا أو إيجابيــًا.
ولكن الغريب أننا لا نفكر في رحلة الموت تفكيرًا إيجابيًا، وإنما حينما نفكر فيه يكون انشغالنا بترك الدنيا وما لنا فيها من طموحات ومصالح ومسئوليات بيت وأولاد، وكأنَّ الدنيا هي حياتنا الأولى والأخيرة، مع أننا لو تأملنا آيات الله في كتابه الحكيم لعرفنا أنَّ تواجدنا على الأرض هي مرحلة الاختبارات وأنَّ مدتها قليلة جدًا، وإن عشنا ثمانين أو تسعين أو مائة عامــًا، [قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)] (المؤمنون 114:112) وفي قوله تعالى: [يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)] (الفجر 024) وفي الآية (قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)، وليس (قدمتُ في حياتي)، وفي هذا كما يقول المفسرون: دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار فإنها دار الخلد والبقاء. تفسير السعدي

إنَّ ديننا الحنيف دينٌ عظيم، دين الوسطية فلا نجد فيه التوجه نحو الدخول إلى الصومعة أو الرهبانية أو الغرق في الدنيا ومطالب الدنيا، وإنما هو الوسط فنسىعى في هذه الدنيا ونعمل ونجتهد، ونحن على يقين أنها رحلة قصيرة وأنَّ الحياة الحقيقية في دار الآخرة، فهناك الحياة الحق الكاملة الدائمة الذي لا زوال لها ولا انقضاء [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)] (العنكبوت 064)

فالإيمان الصادق والصلة بالله تعالى هو الذي يبعدنا عن الغرق في الدنيا، والسعي الطيب المبارك نحو الآخرة، فهناك الأمن والأمان والراحة والأطمئنان والنعيم الحق والرضوان، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. 
 صحيح البخاري، كتاب الرقاق باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، رقم الحديث 6416    وقال الإمام النووي: معنى الحديث لا تركن الى الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه فتح الباري في شرح صحيح البخاري جـ11 صـ256

إنَّ إعمار الأرض تكليف من الله لنا كبشر، وهذا التكليف يقوم به المؤمنون المخلصون لله ربِّ العالمين، ويتعايشون في توازن ووسطية ما بين السعي في الحياة والدنيا مع المقصد والرغبة المرجوة لنيل رضا الله والفوز بنعيم الآخرة، وفي مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل)).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق