8 من شعبان 1436 هـ
069
وَنَـــفْــــسٍ
وَمَـا سَـــوَّاهَا
مَا
هَيَّ النَّــفْـسُ
النفس
آية عظيمة من آيات الله في خَلْقِهِ، ذلك الشئ الخفي غير
القابل للظهور والإعلان، غير واضح المعاني والكيان الذي به تحيا الكائنات
والمخلوقات بمختلف الأنواع ومنها الإنسان، ولولاها لكان البدن مجرد تمثال
لا فائدة فيه كشأن الميت الذي سُحبت منه نفسه وروحه، إنها
غاية في اللطف والخفة سريعة التنقل والحركة والتغير والتأثر تحمل الكثير والكثير
من الانفعالات المختلفة والمشاعر المتباينة مثل الإرادة والقصد والعزم، الحب
والإعجاب الكره والبغض، الهم والغم والضيق والنكد، السعادة والفرح والإنشراح وغير
ذلك من المشاعر، كما أنَّ النفس هي المحرك الخفي لغرائز الإنسان البدنية، [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّــاـهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَــاـهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّــاـهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّــاـهَا (10)]الشمس 010:007.
اهتم
الفلاسفةُ القُدامى بالنفس داخل الطبيعة البشرية، ومنهم الفيلسوف الإغريقي أفلاطون
الذي اعتبر النفس لا مادية مستقلة عن الجسد تحل فيه خلال الحياة، وأنَّ النفس هي
مصدر السلوك الإنساني، وقسَّمَ النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام:
-
النفس
العاقلة: ومقرها الرأس ومهمتها التمييز بين أنواع الخير وبلوغ الخير المطلق
وفضيلتها الحكمة.
-
النفس
الغاضبة: ومقرها الصدر ومهمتها أن تطيع النفس العاقلة في تحقيق الخير وفضيلتهــــا
الشجاعة.
-
النفس
الشهوانية: ومقرها البطن تحت الحجاب الحاجز وفضيلتها الحكمة والعفة وهي أرفع هذه
الفضائل منزلة.
النَّــفْــسُ
فِي الْقُرْآنِ
ذَكَرَ اللهُ تعالى فِي
كِتَابِهِ الْحَكِيمِ ثَلاَثَةَ أَصْنَافٍ لِلنَّفْسِ ...
الصنف
الأول: النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ: [إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)]يوسف 053، فالنفس تتحدث وتتمنى ومنها يدخل الشيطان على الإنسان إلا مَنْ
عصمه الله تعالى من السؤ ومداخل السؤ، والله يعصم ويرحم عباده المُخْلِصِينَ.
الصنف
الثاني: النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ: [وَلَا
أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)]القيامة 002، فالمؤمن يلوم نفسه على الخير والشر، فإن كان في طاعة استشعر
التقصير والخوف من عدم القبول وكذلك الرجاء أن يُتقبل العمل، وإن كان في غفلة أحس
بالضيق والندم، وأسرع إلى تطهير نفسه بالصلاة والصدقة والطاعات والتوبة والندم، والفاجر
يمضي قُدُمــًا إلى رغبات نفسه وما يعاتبها وإنما يغرق في هواها وطلباتها.
الصنف
الثالث: النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ: [يَــاـأَيَّتُهَا
النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي
عِبَادِي (29)
وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)]الفجر 30:27، وهي النفس المؤمنة بحقٍ الآمنة الساكنة، تُنادى من الملأ الأعلى
في روحانية وتطمين، وفي ثناء وتكريم، ويدخلها الله تعالى في عباده المختارين
المقربين إليه، فهي نفس الإيمان الصادق والقلب الخاشع والعمل الصالح، التي تأخذ
صاحبها إلى الطاعات والخيرات ليفوز برحمة الله ورضوانه.
كَــيْفَ
أَتَمَلَّكَ نَفَسِي
الصفة الرئيسية في
النفس البشرية أنها تـتمنى وتشتهي .....
-
فالغرائز داخل الإنسان تتحرك وتُوجه من خلال النفس ورغبات النفس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ
مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ
اللهَ كَتَبَ عَلَىَ ابْنِ آدَمَ حَظَّــهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكَ ذَلِكَ لاَ
مَحَالَةَ، فَزنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ
تَمَنَّىَ وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره، رقم الحديث،
صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، ومعناه في تفسير قوله تعالى:[الَّذِينَ
يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ
وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ]النجم 032، اجتناب الكبائر يسقط الصغائر وهي اللمم، وأصل اللمم والإلمام الميل
إلى الشيء وطلبه من غير مداومة والله أعلم. تفسير الإمام النووي لصحيح مسلموالنفس تتحكم في الجسد وتسيطر عليه، والإنسان الذي يتملك نفسه يحقق فيها الاعتدال والتوازن في رغبات النفس نحو الغرائز والشهوات كالجوع والجنس وحب المال ورغد العيش، وإنما يكون ذلك بتحقيق الانسجام التام بين رغبات النفس واستخدامه فيما أحله الله مع تهذيب النفس بأخذها نحو الطاعات وإبعادها عن رغبات المعاصي والذنوب، قال تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)]المدثر 038.
- الإنسان الذي لا يتملك نفسه تجده خبيث النفس كسلانـــًا خمولاً بعيداً عن طاعة الله ويغرق في هوى نفسه وشهواتها، ومن يتملك نفسه يستطيع أن يكون طَيِّبَ النَّفْسِ يخاف مقام ربه، وينهى نفسه عن الهوى، ويجاهد شهواتها بتقييدها في الطاعات، والسعي نحو الخيرات [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)]النازعات 040، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ، إِذَا نَامَ بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عنْهُ عُقْدَتَانِ فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ)) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، رقم الحديث، صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل
- أتملك نفسي حينما أصحبها إلى الغنى المحمود وهو غِنَىَ النَّفْسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ الْغِنَىَ عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَىَ غِنَىَ النَّفْسِ)) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، رقم الحديث، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس، (الْعَرَضِ) هو متاع الدنيا، ومعنى الحديث أنَّ الغنى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة، لأن من كان طالبــًا للزيادة لم يستغن بما معه فليس له غنى. تفسير الإمام النووي لصحيح مسلم، وغنى النفس يكون في أداء الزكاة والصدقات تقــربــًا إلى الله تعالى، وترويض النفس بالبذل والعطاء لله تعالى وعدم الانغماس والغرق في متاع الحياة الدنيا.
وقال الإمام علي كَرَّمَ
اللهَ وَجْهَهُ ورضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين في أبيات حكيمة:
النَّفْسُ تَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ
السَّـــعَــادَةَ فِيــــهَا تَرْكُ مَا فِيـــهَـا
لَا دَارَ لِلمَرْءِ بَـعْــدَ الْمَـــوْتِ يَــسْكُنُـــهَـا إِلَّا الْتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ بَانِيـــــهَا
فَإِنْ بَــنَــــاهَا بِخَــيْــرٍ طَـــــابَ مَـــسْــكَـنُــــهُ وَإِنْ بَــنَاهَا بِــشَـــرٍّ خَــــابَ بَانِيــــــــــهَا
لَا دَارَ لِلمَرْءِ بَـعْــدَ الْمَـــوْتِ يَــسْكُنُـــهَـا إِلَّا الْتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ بَانِيـــــهَا
فَإِنْ بَــنَــــاهَا بِخَــيْــرٍ طَـــــابَ مَـــسْــكَـنُــــهُ وَإِنْ بَــنَاهَا بِــشَـــرٍّ خَــــابَ بَانِيــــــــــهَا



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق